الأعمدة

” وهم العودة الطوعية: وشهادة من قلب المعاناة”

بقلم : المستشار معاوية أبوالريش
“اقسم بالله العظيم وكتابه الكريم، أسوأ مكان ممكن الإنسان يعيش فيه على وجه الأرض هو ولاية الخرطوم حالياً” بهذه الكلمات المؤلمة كتب أحد المواطنين السودانيين على منصة فيسبوك واصفاً واقع العاصمة الخرطوم اليوم، في رسالة موجهة لكل السودانيين المتواجدين خارج السودان وفي الولايات السودانية الأخرى محذراً إياهم من الانخداع والاستجابة لتدليس حكومة الأمر الواقع حول واقع العاصمة المؤلم. هذه الشهادة الحية التي اطلعت عليها عبر منصة فيسبوك تكشف عن مدى التردي الذي وصلت إليه الأوضاع في قلب السودان النابض، وتفضح وهم العودة الطوعية الذي تروج له الحكومة.
“الانفلات الأمني: عندما يصبح السلاح لعبة أطفال”
تشهد الخرطوم حالة من الانفلات الأمني المتفاقم، حيث تحولت أصوات الرصاص إلى موسيقى ليلية اعتاد عليها السكان. يكتب المواطن في منشوره كيف أصبح “المستنفرون يلعبون بالسلاح لعباً لحد ما الناس القاعدين اعتادوا صوت الذخيرة بالليل، وأصبحوا هم الحرامية وبالسلاح.”
هذا الواقع المرير يكشف عن تآكل هيبة الدولة وغياب القانون، مما ترك المواطنين في حالة من الرعب المستمر وعدم الأمان في بيوتهم وشوارعهم. فبينما تدعو السلطات للعودة الطوعية، يعيش سكان الخرطوم في خوف دائم من العنف المسلح والجريمة المنظمة.
” انهيار الخدمات الأساسية: الكهرباء كحلم بعيد المنال”
رغم الوعود المتكررة بإصلاح البنية التحتية، تبقى الكهرباء حلماً بعيد المنال. يتساءل صاحب المنشور بمرارة: “الكهرباء حافرين خنادق في كل الأحياء عشان يشيلوا الكوابل، عارفين الكهرباء دي بس عشان ترجع دايرة ليها كم مليار دولار؟ وأصلاً هي قبل الحرب منتهية ومافي كهرباء.”
هذا الواقع يعكس فشل الحكومة في توفير أبسط الخدمات الأساسية للمواطنين، مما يزيد من معاناتهم اليومية ويجعل الحياة الطبيعية أمراً شبه مستحيل. كيف يمكن للسلطات أن تدعو للعودة بينما العاصمة تغرق في الظلام؟
” أزمة المياه: عطش في أرض النيلين”
إلى جانب انقطاع الكهرباء، تعاني الخرطوم من أزمة حادة في إمدادات المياه النظيفة. شبكات المياه المتهالكة والملوثة تجعل الحصول على المياه الصالحة للشرب تحدياً يومياً يواجه الأسر، مما يزيد من مخاطر انتشار الأمراض المعدية. هذا الواقع يجعل دعوات العودة مجرد سراب في صحراء المعاناة.
“الانهيار الصحي: منظومة علاج متداعية”
لا يقتصر الأمر على انقطاع الكهرباء والماء، بل يمتد إلى انهيار النظام الصحي بالكامل. المستشفيات تفتقر للأدوية الأساسية والمعدات الطبية، والعاملون في القطاع الصحي يواجهون ظروفاً قاسية تحول دون تقديم الخدمات المناسبة. هذا الواقع يجعل الحصول على الرعاية الصحية الأساسية أمراً شبه مستحيل، مما يضع حياة المواطنين في خطر مستمر.
” الغلاء الفاحش: عندما يصبح العيش ترفاً”
يشكو المواطنون من الغلاء الفاحش وجشع التجار الذي لا يعرف حدوداً. “مافي حاجة رخيصة، استغلال التجار والجشع عام” هكذا وصف صاحب المشور الواقع الاقتصادي المرير الذي يعيشه سكان الخرطوم، حيث تحولت الضروريات الأساسية إلى كماليات لا يقدر عليها إلا القلة. كيف يمكن الحديث عن العودة بينما المواطن لا يستطيع توفير لقمة العيش؟
” النقل والمواصلات: رحلة يومية في متاهة”
حيث تحولت الحافلات والمركبات إلى وسائل نقل غير آمنة وغير موثوقة. بسبب مهاجمة بعض المتفلتين لها بالسلاح و الطرق المتهالكة والازدحام المروري الخانق يجعل التنقل داخل العاصمة كابوساً يومياً، مما يضاعف من معاناة المواطنين في الوصول إلى أعمالهم أو الخدمات الأساسية.
” التعليم في خطر: جيل بلا مستقبل”
لا تقتصر المعاناة على الخدمات الأساسية فحسب، بل تمتد إلى القطاع التعليمي الذي يشهد تدهوراً مستمراً. المدارس تفتقر للمرافق الأساسية والكتب المدرسية، والمعلمون يعانون من تدني الأجور وصعوبة الوصول إلى مقار عملهم. هذا الواقع يهدد مستقبل جيل كامل من الأطفال السودانيين.
” البطالة والفقر: دوامة لا تنتهي”
مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، ارتفعت معدلات البطالة بشكل كبير، خاصة بين الشباب. العديد من الخريجين يجدون أنفسهم بلا عمل، مما يزيد من حالة الإحباط واليأس في المجتمع. هذا الواقع يدفع الكثيرين للتفكير في الهجرة كحل وحيد للخروج من دوامة الفقر والبطالة.
” تدليس السلطات: وعود كاذبة وحقائق مرة”
يوجه صاحب المنشور رسالته بوضوح للسودانيين في الخارج وفي الولايات الأخرى محذراً من “تدليس السلطات” للواقع الحقيقي في العاصمة. فبينما تروج الحكومة لصورة وردية عن الأوضاع وتدعو للعودة، يكشف الواقع عن حقيقة مغايرة تماماً حيث العيش في الخرطوم “مستحيل” في ظل تردي الأوضاع الأمنية وانفلاتها وكذلك الأوضاع الاقتصادية والصحية المنهارة.
” العودة الطوعية: حلم تحول إلى كابوس”
استجاب كثير من السودانيين لنداءات العودة الطوعية من قبل السلطات، أملاً في المساهمة في إعادة بناء وطنهم. لكن الواقع كان مختلفاً تماماً عن الوعود. “الناس الرجعوا، أقسم بالله يا إما اتغشوا يا إما مغلوب على أمرهم ماعندهم خيار تاني.”
هؤلاء المواطنون وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ، حيث لا خدمات أساسية من كهرباء وماء نظيف، ولا أمان في الشوارع، ولا استقرار اقتصادي يمكن الاعتماد عليه. لقد اكتشفوا أن دعوات العودة كانت مجرد وهم، والواقع أكثر مرارة مما تصوروا.
” رسالة تحذيرية: لا تنخدعوا بالأوهام”
يوجه صاحب المنشور رسالة واضحة وصريحة للسودانيين في الخارج وفي الولايات الأخرى: “أنصح أي زول بقدر يستقر برة الخرطوم لأطول فترة ممكنة مايفكر يرجع.” هذه الرسالة التحذيرية تهدف إلى كشف الحقيقة المرة وراء الدعايات الحكومية التي تصور الأوضاع بشكل مغاير للواقع.
“الخرطوم: بؤرة فساد بلا حدود”
يصف المواطن الخرطوم بأنها “بؤرة من تردي الأوضاع الخدمية والأمنية وبؤرة فساد لا حدود له.” هذا الوصف يعكس حالة الإحباط العميق من منظومة الحكم التي فشلت في توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين.
” شهادة من قلب المعاناة تفضح وهم العودة”
إن هذا المنشور الذي اطلعت عليه عبر منصة فيسبوك ليس مجرد كلمات عابرة، بل شهادة حية من قلب المعاناة اليومية في الخرطوم. إنها صرخة ألم من إنسان يعيش جحيم الواقع المرير، قرر أن يكسر حاجز الصمت ويكشف للعالم حقيقة ما يجري في العاصمة السودانية.
هذه الشهادة تفضح بوضوح وهم العودة الطوعية الذي تروج له السلطات، وتكشف الهوة الشاسعة بين الدعايات المزيفة والواقع المؤلم. فبينما تطلق الحكومة نداءات براقة للعودة، يصرخ المواطن من داخل الخرطوم محذراً: “أنصح أي زول بقدر يستقر برة الخرطوم لأطول فترة ممكنة مايفكر يرجع.”
من الانفلات الأمني الذي جعل أصوات الرصاص موسيقى ليلية، إلى انهيار الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه، مروراً بالغلاء الفاحش والنظام الصحي المنهار، وصولاً إلى تدهور التعليم وارتفاع البطالة كل هذه الحقائق تجعل الحياة في الخرطوم “مستحيلة” كما يصفها صاحب الشهادة.
إن هذه الرسالة التحذيرية الصادقة تهدف إلى حماية السودانيين في الخارج والولايات الأخرى من الوقوع في فخ تدليس السلطات للواقع. فالمواطن الذي يعيش المأساة يومياً أدرى بحقيقة الأوضاع من الدعايات الحكومية المضللة.
“والله دا الوضع وأتحدى البقول غير كدا” بهذه الكلمات الحاسمة يختتم المواطن شهادته، تاركاً لنا جميعاً مسؤولية مواجهة الحقيقة المرة: الخرطوم اليوم لم تعد العاصمة التي نعرفها، بل أصبحت مكاناً يفر منه أهله بدلاً من أن يعودوا إليه.
إن هذه الشهادة من قلب المعاناة تستحق أن تُسمع، وتستحق أن تكون نقطة انطلاق لمراجعة جذرية للسياسات والممارسات التي أوصلت العاصمة السودانية إلى هذا الحال المؤسف. فالمواطن السوداني يستحق الحقيقة، ويستحق حياة كريمة في وطنه، وليس وعوداً فارغة تزيد من معاناته.

زر الذهاب إلى الأعلى