الأعمدة

جائعات في الحراسات

كمال كرار
الصحافة المدجنّة والمتتوركة ( التركي ولا المتتورك )، حينما تنقل الخبر .. تذكر الخبر وتنسى المبتدأ ..
قالت الأنباء بالأمس أن السلطات أطلقت سراح ٦ نساء في كادوقلي تظاهرن بسبب الجوع.. يا لكرم السلطات ولطافتهم وحنانهم على النسوة الجائعات .. ولكن قبل ذلك لم تنطق الصحافة حرفا عن المطاهرة نفسها التي قادتها نساء من كادوقلي عصف بهن الجوع وكن أمام خيارين إما الموت جوعا داخل رواكيبهن، وإما التظاهر والموت برصاص السلطات أو دخول الحراسة.. لحسن حظهن حصلن على الخيار الأخير ..
المظاهرة والاعتقال وما جرى لهن في الحبس،والأيام التي انقضت وهن محبوسات.. كلها كانت مبتدأ الخبر المسكوت عنه في صحافة التطبيل والتجهيل .
٦ نساء بل أكثر في قمة الشجاعة والجسارة .. قلن بالصوت العالي (جعنا وجاعت أسرنا )،لم يخرجوا للاحتجاجات على استمرار الترويع والقتل بالرصاص، أو لصراع المناصب في بورتسودان،ولم يطالبن بكرسي وزارة نيابة عن مسار كادوقلي.. لكنهن جائعات .. أردن توصيل صوتهن للحكومة القائمة ..
وماذا كان رد الفعل ؟ لم تستمع لمطالبهم السلطات، ولم يخرج مسؤول للرد على جوعهن،ولم يوفد الوالي أو الضابط التنفيذي أي مرسال لهن .. يستقبلهن في مكتب أو برندة باحترام ويقول لهن .. لقد قصرنا في حقكن حتى تظاهرتم.. ثم يخصص لهن عربته الفارهة لتوصيلهن لبيوتهن.. ومن ثم يعقد اجتماعا طارئا لحكومته لحل مشكلة الجوع في كادوقلي ..
وكيف تعتبر المظاهرة والخروج احتجاجا على الجوع جريمة، تستحق الاعتقال والسجن؟! أم أن السلطات تريد أن تسمع صوت التأييد ولا تسمع صوت الاحتجاج !!
وكم من اجتماع حكومي وزعت فيه الوجبات الفاخرة أو كان على نظام البوفيه المفتوح، لم يخطر ببال من يأكلون ويشربون على حساب المال العام أن نساء أرامل، وأطفال صغار لا يجدون رغيفة يابسة يبلونها في موية لسد الجوع والبقاء على قيد الحياة .
ولو صهينت سلطات كادوقلي،وأعماها الشبع عن رؤية الجوعى،فلم تصهين سلطات بورتسودان.. والأخبار تأتيها على مدار الثانية ..
والحقيقة التي يجب أن تقال أن المنصب الحكومي لو كان في خدمة الشعب، لن يتحصن المسؤول بالجنود والترسانة الأمنية وسيكون المكتب مفتوحا لاستقبال الشكاوي والمظالم،دون حواجز وسين وجيم .
ولو كان المنصب للجاه والنفوذ وتقاسم الغنائم .. يهجم العسكر على الجائعات.. يبهدلوهن .. ويحبسوهن .. ويذلوهن .. ليعيدوا سيرة قدو قدو .. وإهانة النساء ..
عذرا نساء بلادي .. ونساء كادوقلي .. سيأتي يوم الانصاف قريبا .. وما حدث وسام في صدوركن ستحفظه الأجيال والتاريخ .. ولكل مسؤول شبع .. واستأسد على الجائعات نقول أن يوم الحساب اقترب .

زر الذهاب إلى الأعلى