الأعمدة

*هل أسلم ترمب أم كفَر البرهان والكيزان؟!*

*منعم سليمان*
يحتاج المرء أن يكون ذاهلاً أو فاقدًا للوعي أو فاقدًا لعقله تمامًا ليفهم تصرفات البرهان ومن هم حوله، إذ لا أحد، سوى من به لوثة عقلية، يستطيع أن يفهم سبب احتفاءه وكيزانه ليلة أمس، أو يفهم تغريدته الخفيفة وسبب خفتها!
أثار حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس بشأن الحرب في السودان أمام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وتغريدته اللاحقة على منصته “تروث سوشيال”، وما تلاها من تغريدة لعبد الفتاح البرهان – يبدو أنها كانت جاهزة – يشكر فيها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأميركي، الحيرة والاستغراب، بل السخرية عند الكثيرين!
تغريدة البرهان أعقبتها موجة ابتهاج غير مسبوقة وسط أنصار الحرب والدوائر الملتفة حول قيادة الجيش، وجميعهم من الإخوان الكيزان. فما الذي جعلهم ينتفضون فرحًا فجأة؛ فهل أسلم ترمب أم كفَر البرهان والكيزان؟
ابتهاج يثير الدهشة، لأن البيان نفسه لا يحمل ما يبرّر هذه النشوة؛ بل يتضمن دعوة صريحة لوقف القتال وهو ما يرفضونه، وعودة إلى منصة الرباعية طالما هاجموها. فما الذي أسعدهم الآن يا ترى؟
ما قاله وكتبه ترمب ليس فيه جديد سوى تعهده برعاية الملف السوداني شخصيًا، والعمل على تفعيل جهود الرباعية (الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، ومصر) القائمة أصلًا من أجل وقف الحرب فورًا.
وهي ذات المنصة الرباعية التي وصفها الكيزان مرارًا بأنها “مؤامرة دولية”، واتهموا الوسطاء بأنهم أدوات “ضغط أجنبي” تهدف لإقصائهم. ومع ذلك، ها هم يحتفون بالبيان وكأنه نصر سياسي لهم!!
الحقيقة أن هذا الفرح البرهاني/الكيزاني لا علاقة له بوقف الحرب، ولكنهم – كدأبهم – قد فسّروا كلام ترمب بانتقائيتهم المعروفة: فهم لا يرون دعوته الواضحة لوقف القتال، بل يتشبثون بوهم وجود تناقضات إقليمية وخلافات سعودية/إماراتية – كما قال أحد “مفكريهم” نفعنا الله بتفكيره – تُبعد دولة الإمارات من الرباعية، وتتيح لهم تموضعًا جديدًا أو غطاءً سياسيًا يعودون من خلاله إلى السلطة مرة أخرى!
ما هذا الجنون! فلنفترض أن هناك خلافات حقيقية سعودية/إماراتية، فهل هذا يعني أن ترمب سيضحي بدولة بوزن الإمارات العربية المتحدة وبشراكتها الاستراتيجية الممتدة مع أميركا من أجل عيون الإخوان؟ ما هذا الجنون؟
إنهم يحتفون بما يتخيلونه، لا بالحقائق على أرض الواقع. ولا ريب، إذ ظلّوا منذ بداية الحرب يتخيلون معارك لم تحدث على الأرض يحققون فيها النصر، ولو أن ذلك كان كذلك على أرض المعارك، لكانت خيولهم اليوم قد تعدّت دارفور ووقفت على أبواب أنجمينا!
البرهان “مسكين” وبائس، فهو يعيش بين مطرقة الكيزان الساعين إلى السلطة عبر بندقية جيشهم، وسندان العالم الساعي إلى السلام. لذلك بدا بيان ترمب – بالنسبة له – نافذة صغيرة قد تتيح مخرجًا هو نفسه لا يعرف يخرج به إلى أين!
والمثير للسخرية أن حديث ترمب أمس يصب في صالح دعاة السلام، لا أنصار الحرب. ولو كان هناك ثمة بهجة واحتفالات، لكان أولى بها رافضو الحرب وأنصار التيار الديمقراطي (صمود)، فقد عبّر تمامًا عمّا ظلّت تنادي به القوى المدنية الديمقراطية السودانية.
ولذلك يبرز هنا سؤال اللحظة: لماذا يفرح من بنوا وجودهم كله على استمرار الحرب ببيانٍ يدعو إلى إنهائها؟
الإجابة بسيطة: لأنه فرح قائم على الوهم، لا على قراءة سياسية رشيدة. فإذا مضت واشنطن والرياض في هذا الاتجاه بالفعل، فلن يكون أمام البرهان والكيزان سوى طريق واحد: الانخراط في مسار سلام كانوا يرفضونه، أو مواجهة عزلة مضاعفة وحرب تستنزف كل ما تبقى.
وبهذا، يصبح الفرح الذي أظهروه مجرد استراحة نفسية قصيرة، أمام واقع سياسي لا يحمل لهم سوى الحقيقة التي تهربوا منها طويلًا: *الحرب إلى نهايتها، والسلام آتٍ مهما طال الزمن*.

زر الذهاب إلى الأعلى