رشا عوض
يزعم الجذري انه مختلف مع صمود في برنامجها الاقتصادي الرأسمالي المتعارض مع مصلحة الجماهير ، يقول قوله هذا وهو متخندق خلف الجيش في معركة عودة الكيزان الى السلطة بقبضة عسكرية محكمة!
لو انتصر الجيش انتصارا كاسحا كما يتمنى الجذري فان النظام الاقتصادي سيكون هو ” نظام اللغفيبة المحمية بالسلاح” وهو نظام ابشع بما لا يقاس من النظام الرأسمالي!
سيعود الجيش الى الاستيلاء على ٨٠% من ايرادات الدولة عبر شركاته غير الخاضعة لاي شكل من اشكال المراجعة القانونية او الرقابة الشعبية! سينزل الى حلبة المنافسة الاقتصادية وحوش مدججة بالحصانات ومستعلية على القانون! وفي حل من اي قيود بما في ذلك سلامة المواصفات والمقاييس ! وحوش متحكمة في حدود البلاد وموانئها البرية والبحرية والجوية تهرب منها الذهب وتستورد حاويات المخدرات ولا احد يستطيع قول بغم! وان قالها فالرد عليه طلقة في الرأس او الصدر او زنزانة في احد بيوت الاشباح لان هذه ببساطة هي طبيعة الدكتاتوريات العسكرية !
دولة يستهلك الامن والدفاع اكثر من ثلاثة ارباع موازنتها العامة والثمرة التي قطفناها من الانفاق على الامن والدفاع هي ١٥٠ الف قتيل والاف الجرحى والمعاقين اعاقات دائمة و١١ مليون نازح ولاجيء ومدن تحولت الى خرائب اشباح وجوع ومذلة وتوقف للانتاج باستثناء الذهب الذي يغذي جيوب لوردات الحرب ! عندما تساءل محافظ البنك المركزي عن مصير سبعة مليار دولار من عائدات الذهب ضلت طريقها بعيدا عن بنك السودان كانت انتيجة استقالته!
هذه فقط فاتورة الحرب الحالية التي هي حلقة في سلسلة حروب فقدنا فيها مئات الالاف من القتلى ونتجت عنها موجات نزوح ولجوء وانتهاكات مروعة اكثر توحشا من انتهاكات حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣ !
الموقف الجذري الحقيقي هو تغيير شامل للنظام باكمله وليس الغرق في جزئيات يستحيل تغييرها بمعزل عن ” السستم” ككل!!
الموقف الجذري في ظرفنا التاريخي الراهن هو الانحياز للسلام على اساس التحول الديمقراطي والحكم المدني الذي يخرج العسكر بكل تشكيلاتهم من السياسة والاقتصاد ، هو مناهضة الحرب التي يسعى جميع اطرافها ولا سيما الطرف الكيزاني الى استعادة الدكتاتورية العسكرية سياسيا ونظام ” اللغفيبة المحمية بالسلاح ” اقتصاديا!
من كان جادا في خدمة المصالح الاقتصادية للجماهير فلا بد ان يناضل في سبيل اقامة نظام ديمقراطي تتوفر فيه حرية التعبير والتنظيم التي تسمح برفع مصالح الجماهير وحقوقها على اسنة البرلمانات المنتخبة انتخابا حرا ونزيها ، وعلى اسنة القضاء النزيه المستقل، وعلى اسنة الصحافة الحرة ، نظام الشفافية وسيادة حكم القانون وتكافؤ الفرص لخلق بيئة مواتية للانتاج والتنمية.
بالطبع هناك حل اكثر جذرية من ” الحل الديمقراطي” المتدرج في انجاز التغيير، وهو الحاق هزيمة عسكرية ساحقة بكل من الجيش وحلفائه وكتائب الكيزان ، والد.عم السريع وحلفائه واستئصالهم جميعا من الملعب السياسي والاقتصادي واقامة دكتاتورية بلوريتاريا لصالح الفقراء، وهذا يتطلب امتلاك جيش ثوري احمر مؤهل فنيا واخلاقيا لانجاز هذه المهمة، الحديث عن مصالح اقتصادية وتوظيف موارد البلاد لخدمة السواد الاعظم من الجماهير يكون منطقيا اذا انطلق من خنادق ذلك الجيش الاحمر ان وجد ، وان لم يوجد فمن ساحات النضال من اجل اقامة حكم مدني ديمقراطي يقود تحرير البلاد من الاستبداد العسكري ونظام ” اللغفيبة المحمية بالسلاح” عبر كتلة تاريخية موحدة في تحقيق هذا الهدف !
غير المنطقي وغير المفهوم بالمرة ان ينطلق ذلك الحديث من خندق الاصطفاف خلف علي كرتي واحمد هارون! خلف مؤسسة امنية وعسكرية تلغف ثلاثة ارباع ميزانية الدولة وتبخل حتى على جنودها بتوفير وجبة طعام مشبعة اثناء حرب اعادتهم الى السلطة واللغفيبة! ومن خندق ذلك الاصطفاف العجيب المريب يتم تصويب اللعنات لقوى مدنية مهما كان مستوى الاختلاف معها فهي ساعية للسلام والديمقراطية حيث لا بيوت اشباح ولا رصاص في الرأس لمن طالب بحقوقه!
من خندق ” اللغفيبة المحمية بالسلاح” يتم تصويب اللعنات للقوى المدنية بحجة انها ستأتي بنظام رأسمالي!!
هل تتوقع ايها الجذري ان تجد لنفسك لبرنامجك الرادكالي في الاقتصاد موطىء قدم في اي نظام يعقب انتصار الكيزان في حرب كرامتهم ؟ لو كنت جذريا بالفعل فان مصيرك المحتوم سيكون مثل مصير حزب تودا ( الحزب الشيوعي الايراني) بعد انتصار الثورة الايرانية التي حولها الملالي الى ثورة اسلامية! وتنكروا للدور الكبير والمفصلي الذي لعبه حزب تودا في تلك الثورة !! وقد كان دورا يختلف نوعيا عن دور الجذري السوداني المتواضع في حرب الكرامة الذي لم يتجاوز الانخراط في حملات التضليل وتزييف الوعي حول طبيعة الحرب وابتداع تعريف جديد للموقف الجذري في الصراع السياسي بحيث يكون ذلك الموقف( الملولو والمكعوج والمجوبك) الذي نشهده خلال هذه الحرب !
هل يعقل ان تكون جذريا فقط في موقفك ضد القوى المدنية الساعية لايقاف الحرب على اساس مشروع ديمقراطي ؟ وجذريا ضد الد.عم السريع دون ان تكون جذريا ضد المصنع الذي انتجه وما زال ينتج امثاله بخطوط انتاج نشطة ومتكاثرة؟
عزيزي الجذري موقفك ( المكعوج ) هذا لا علاقة له بتغيير جذري ولا يحزنون، هو موقف تقليدي محافظ جدا يسعى للحفاظ على الحال المائل في الدولة السودانية على اساس ان ذلك الحال المائل هو ضرورة حياة للدولة!
عزيزي الجذري انت لا تختلف عن اي مجلس شورى قبلي بايع الجيش! او زعيم ادارة اهلية بايع الد.عم السريع!
اما الموقف الجذري في هذه اللحظة التاريخية فهو المنصة المستقلة عن طرفي الحرب التي تسعى للسلام على اساس مشروع مدني ديمقراطي يضبط بوصلة البلاد الفكرية و السياسية في اتجاه التخلص من الهيمنة العسكركيزانية على السياسة والاقتصاد وانهاء واقع تعدد الجيوش وتجفيف منابع التمليش عبر اعادة بناء المنظومة الامنية والعسكرية برؤية وطنية لجيش مهني قومي واحد يحمينا ويحرس حدودنا ومواردنا ولا يقتلنا بالبراميل المتفجرة! جيش لا يحكمنا ويستهلك طاقته في شؤون السياسة والتجارة وساعة الحروب يصنع مليشيات لتحارب نيابة عنه! وعندما تتمرد عليه يجعل معيار الوطنية هو الموقف من تلك المليشيات الذي يتعامى عن صانعها وملابسات تلك الصناعة الكارثية المستمرة حتى الان!



