الأعمدة

لا يحتاج المرء إلى كثير عناء ليكتشف أن عبد الفتاح البرهان في مقاله المنشور بـ”وول ستريت جورنال لم يقدّم سوى مرافعة مُضلِّلة وفضيحة تاريخية مجلجلة

لا يحتاج المرء إلى كثير عناء ليكتشف أن عبد الفتاح البرهان في مقاله المنشور بـ”وول ستريت جورنال” — والذي أراد له أن يكون شهادة للتاريخ — لم يقدّم سوى مرافعة مُضلِّلة وفضيحة تاريخية مجلجلة بان كوش حضارة توراتية وماهي بذلك .. اراد الرجل فاضح الجهل بتاريخ بلاد يحلم بحكمها أن يدين خصمه فأدان نفسه قبل غيره. فالحقائق التي يسوقها بوجهٍ باردٍ ليست أسراراً، لكنها حقائق هو شريك أصيل فيها؛ صنعها بيديه، ورعاها بعقله، وغطّاها بسلطته، ثم جاء اليوم يتبرّأ منها كأنّه لم يكن اللاعب الأول في مأساة السودان.
فالبرهان الذي يحدثنا عن “قنبلة موقوتة” اسمها قوات الدعم السريع، بينما يتناسى — أو يتغافل عامداً — أنه شريكا لا شاهدا فهو أحد المهندسين العسكريين الأوائل لقوات حرس الحدود التي شكّلت نواة هذه الميليشيا.
يتحدث عن خطر تحول الدعم السريع إلى قوة مستقلة، لكنه لا يذكر أنه منحها الاستقلالية فعلياً حين قام بجرة قلم بإلغاء المادة الخامسة من قانون قوات الدعم السريع؛ المادة التي كانت تلزم تبعيتها للقائد العام للقوات المسلحة.
لقد كان ذلك القرار بمثابة مفاتيح الدولة التي سُلّمت لحمدتي على طبقٍ من تناقضات السياسيين وتواطؤ الجنرالات.
فمن الذي سمح لها بمؤسساتها المالية؟
ومن الذي قبل بانتشارها خارج مناطق العمليات؟
ومن الذي جلس معها على موائد السياسة، وقايضها بالسلطة، ومنحها شرعية لم تحلم بها؟
البرهان يعرف الإجابة… لأنها هو نفسه.
يكتب البرهان وكأنه أول من اكتشف خطر قوات الدعم السريع، بينما يشهد التاريخ أنه:
صنعها في دارفور،
وقوّاها في الخرطوم وسلّحها في كل مكان،
وحماها من كل مساءلة.
ثم يأتي اليوم ليرثي السودان من نارٍ كان هو من أشعل فتيلها حين استقوى بالدعم السريع ضد المدنيين، وحين ساهم في توسيع نفوذها لإضعاف خصومه السياسيين، وحين رأى في تمددها ضمانة لبقائه في السلطة.
يقول البرهان إن الحرب بدأت يوم “تمرّدت” قوات الدعم السريع، لكن الحقيقة التي يعرفها كل سوداني أنّ الحرب بدأت يوم خان البرهان وعد الانتقال المدني، ويوم مزّق الوثيقة الدستورية، ويوم انقلب مع الدعم السريع على الحكم المدني في 25 اكتوبر.
ما حدث بعد ذلك ليس خيانة للدولة، بل خيانة للخائن نفسه.
إنه صراع شركاء الجريمة حين يختلفون على الغنيمة.
يتحدث عن تهديد الإقليم، وينسى أنه استجلب التدخلات الخارجية بضعفه وتردده وسوء تقديره.
يتحدث عن دعم خارجي للدعم السريع، وينسى أن هو نفسه من فتح أبواب البلاد أمام نفوذ إقليمي ودولي لا يقل خطراً.
يتحدث عن جرائم الدعم السريع — وهي حقيقية — لكنه يخفي جرائم ارتُكبت تحت بصره وقيادته، من القصف العشوائي إلى التجويع والحصار والاعتقالات وقتل من كانوا يطالبونه بحل المليشيا التي يتباكي بسببها الآن.
هذا رجلٌ ضلّ الطريق… والوطن دفع الثمن
و
أن محاولاته غسل يده من الكارثة لا تُقنع أحداً.
فهو ليس الضحية كما يريد أن يبدو، بل أحد مجرمي هذا المشهد؛ رجلٌ أسهم في صناعة الميليشيا ثم رفض حلها بالتفاوض و فشل الآن في تفكيكها، وأطلق حرباً كان يمكن تفاديها، وخذل شعباً كان يستحق دولة لا ثكنة.
والحقيقة التي لا يريد البرهان أن يواجهها:
أن هذا الوطن لن ينهض ما دام مصيره معلقاً بين جنرالين:
أحدهما يقتل باسم الدولة، والآخر يقتل باسم القوة.
البرهان ، مكانه ليس قصور الحكم ولا منابر الصحافة الدولية… بل أقرب مصحة تعالج أمراض الوهم والإنكار والبارانويا السياسية التي أصابت السودان بما أصابته.
السودان سيشفى…
لكن شفاءه يبدأ حين يرحل هذا الرجل الذي صدق كذبته حتى ظنّها حقيقة ويريدنا والعالم أن نصدقها معه.
و
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
و
البرهان معهم
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar

زر الذهاب إلى الأعلى