الأعمدة

الحرب كسردية وجودية وصراع على احتكار الشرعية

#image_title

#image_title
مجاهد بشري
في صباح الخامس عشر من أبريل 2023، لم يستيقظ السودان على وقع الرصاص ودوي المدافع فحسب، بل استيقظ على انشطار حاد في الوعي الجمعي والخطاب الوطني.
منذ اللحظة الأولى التي دوت فيها الانفجارات حول المدينة الرياضية ومطار الخرطوم، أدركت المؤسسة العسكرية السودانية، ممثلة في القوات المسلحة، أن المعركة العسكرية المندلعة في شوارع الخرطوم لا تقل ضراوة عن معركة أخرى تدور رحاها في فضاء الإعلام والدبلوماسية والوعي الجماهيري؛ ألا وهي معركة “توصيف الحرب”.
إن السيطرة على السردية، وتحديد “من هو العدو؟” و”لماذا يقاتل؟” و”من يقف خلفه؟”، شكلت العمود الفقري لاستراتيجية الجيش في تعبئة الجبهة الداخلية وكسب الشرعية الدولية.
يهدف هذا التقرير البحثي المطول إلى تتبع “الجيولوجيا السياسية” للخطاب الرسمي للجيش السوداني، موثقاً بدقة متناهية كيف تحولت الرواية من توصيف الحدث كـ”تمرد وحدة عسكرية” داخلية يمكن حسمه في ساعات، إلى “تمرد سياسي” مدعوم من قوى محلية، وصولاً إلى سردية “الغزو الأجنبي” الشامل الذي تشارك فيه دول الجوار، وأخيراً إلى نظرية “المؤامرة الدولية الكبرى” التي تتداخل فيها مصالح قوى عظمى وإقليمية وإسرائيل.
يعتمد التقرير على تحليل شامل للتصريحات الرسمية، والبيانات العسكرية، والخطابات الجماهيرية لقادة الجيش (البرهان، كباشي، العطا)، مع ربط كل تحول سردي بالسياق الميداني والضغوط الدبلوماسية التي أنتجته.

الفصل الأول: مرحلة “التمرد العسكري” ومحاولة الاحتواء السردي (أبريل – مايو 2023)
1.1 صدمة 15 أبريل: هندسة مصطلح “التمرد”
في الساعات الأربع والعشرين الأولى لاندلاع القتال، اتسم خطاب الجيش السوداني بالتركيز الشديد على المصطلحات القانونية والعسكرية الصرفة. كانت الاستراتيجية الأولية تهدف إلى تقزيم الحدث وحصره في إطار “المخالفة العسكرية” الجسيمة، وذلك لنزع أي صفة سياسية عن قوات الدعم السريع، وتجريد قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) من صفته الدستورية كنائب لرئيس مجلس السيادة.
أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانها التأسيسي الأول في 15 أبريل 2023، والذي وضع الإطار المرجعي للسردية: ما يحدث هو “تمرد” قامت به “ميليشيا الدعم السريع” ضد الدولة والجيش
. ركز هذا الخطاب الأولي على أن الجيش يمارس حقه الدستوري والمهني في حماية البلاد من قوة متمردة حاولت الغدر بالقيادة والاستيلاء على السلطة بالقوة. وفي محاولة لترسيخ هذا التوصيف على الأرض، سارع الجيش لنفي مزاعم الدعم السريع بالسيطرة على المواقع الاستراتيجية مثل القيادة العامة والمطارات، واصفاً إياها بالأكاذيب النفسية، حيث أكد الجيش عبر صفحته الرسمية استمرار سيطرته ونفى سقوط القيادة العامة، معلناً تسليم بعض قادة الدعم السريع (مثل أبو مريدات قائد استخبارات الدعم السريع) لأنفسهم للاستخبارات العسكرية، في رسالة تهدف لتفتيت الروح المعنوية للخصم وإظهاره بمظهر المتمرد الهارب لا الند المقاتل.
في هذه المرحلة المبكرة، تجنب الجيش توجيه أي اتهامات لجهات خارجية. كانت السردية مغلقة بإحكام داخل الحدود السودانية: “أبناء عاقون تمردوا على المؤسسة الأم”. يعزى هذا الحذر إلى رغبة الجيش في عدم تدويل الصراع مبكراً، وللحفاظ على خطوط الرجعة مع الحلفاء الإقليميين الذين كانت تربطهم علاقات بحميدتي، فضلاً عن الثقة المفرطة في القدرة على “الحسم السريع” خلال أيام، وهو المصطلح الذي تكرر في تصريحات القادة العسكريين آنذاك.
كما نشر الجيش خرائط توضح سيطرته على ولايات النيل الأبيض وجنوب كردفان، وحصر الدعم السريع في دارفور، لتعزيز رواية “التمرد المحاصر” الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة.
1.2 معركة “الكرامة” وظهور طيف النظام السابق
مع استطالة أمد الحرب لأكثر من أسبوعين، وفشل الحسم السريع، بدأت تظهر تعقيدات سياسية أربكت السردية العسكرية البحتة. كان الحدث الأبرز الذي أجبر الجيش على تعديل خطابه هو خروج قيادات النظام السابق (نظام الإنقاذ) من سجن كوبر في أواخر أبريل 2023. شكل هذا الحدث ثغرة في الجدار الإعلامي للجيش، حيث استغلت قوات الدعم السريع هذا الخروج لترويج سرديتها المضادة و الثابتة منذ أول يوم بأن الحرب هي “حرب الكيزان” (الإسلاميين) للعودة للسلطة.
في خضم هذا الارتباك، ظهر القيادي البارز في حزب المؤتمر الوطني والمطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، أحمد هارون، في بيان صوتي مثير للجدل. أعلن هارون خروجه ومسؤولين سابقين آخرين من السجن لتوفير الحماية لأنفسهم، والأهم من ذلك، أطلق على الحرب اسم “معركة الكرامة”، داعياً الشعب للالتفاف حول القوات المسلحة. هذا المصطلح “معركة الكرامة” لم يكن عابراً، بل تحول لاحقاً ليكون الاسم الرسمي الذي يطلقه الجيش السوداني على عملياته العسكرية، مما يشير إلى تداخل عميق -مقصود أو اضطراري- بين أدبيات الحركة الإسلامية والخطاب الرسمي للجيش.
واجه الجيش هذا المأزق بإصدار بيان توضيحي سريع، حاول فيه النأي بنفسه عن هذا الحدث، مؤكداً أنه “غير معني بأي بيانات تصدر من جماعة أو أفراد خرجوا من السجون”، وأن “لا علاقة للقوات المسلحة بحزب المؤتمر الوطني”. كان هذا النفي ضرورياً للحفاظ على الدعم الشعبي من القوى الثورية والمدنية التي تمقت النظام السابق، ولتجنب عزل الجيش دولياً. ومع ذلك، فإن تطور الأحداث لاحقاً أظهر تبنياً تدريجياً لمضامين خطاب هارون، خاصة فكرة “الكرامة الوطنية” وتوحيد الصف الداخلي ضد المهدد الوجودي، حيث عاد هارون لاحقاً في بيانات أخرى ليربط بين انتصارات تاريخية (معركة شيكان) وبين المعارك الحالية، داعياً لاستنهاض طاقات الشعب، وهو ما تماهى تماماً مع حملات “الاستنفار” التي أطلقها الجيش لاحقاً.

الفصل الثاني: تدويل الاتهامات.. دائرة “الجوار المتآمر” (يونيو – أكتوبر 2023)
مع دخول الحرب شهرها الثالث، وتمدد قوات الدعم السريع في أحياء الخرطوم، لم يعد “التمرد الداخلي” تفسيراً كافياً للصمود العسكري واللوجستي للخصم. هنا، بدأت قيادة الجيش في توسيع دائرة الاتهام لتشمل الأطراف الإقليمية، متبنية استراتيجية “التفسير الخارجي” لتبرير استطالة أمد الحرب.
2.1 ليبيا وحفتر: الاتهام الأول واختبار رد الفعل
كانت ليبيا، وتحديداً القوات المسيطرة على الشرق الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، أولى المحطات في سردية التدخل الخارجي. استندت هذه الاتهامات إلى تقارير استخباراتية رصدت تدفقات غير طبيعية للذخائر والوقود عبر الصحراء المفتوحة.
في بيان رسمي شديد اللهجة، اتهم الجيش السوداني قوات الدعم السريع، بمساندة من قوات خليفة حفتر، بمهاجمة نقاط تمركز الجيش في “المثلث الحدودي” بين السودان ومصر وليبيا. وصف البيان هذا التدخل بأنه “تعدٍ سافر على السودان وأرضه وشعبه”، واعتبره “امتداداً للمؤامرة الدولية والإقليمية”. ولتعزيز مصداقية هذا الاتهام، سربت دوائر قريبة من الجيش تفاصيل عن جسر جوي وبرّي ينقل العتاد من قاعدة بنينة في بنغازي إلى الكفرة، ومنها إلى الداخل السوداني عبر ممرات التهريب.
جاء الرد من الجانب الليبي (قيادة حفتر) بالنفي القاطع، واصفاً الاتهامات بأنها محاولة من قيادة الجيش السوداني “لتصدير الأزمة الداخلية وخلق عدو خارجي افتراضي”. ومع ذلك، فإن إصرار الجيش على هذا الاتهام كان يخدم غرضين: الأول هو تفسير الوفرة الهائلة في الذخائر لدى الدعم السريع “حصل عليها من مقرات ، ومتحركات الجيش التي أبادها”، والثاني هو جس نبض المجتمع الدولي تجاه فكرة “التدخل الخارجي”، حيث كان اتهام طرف غير حكومي (قوات حفتر) أقل كلفة دبلوماسية من اتهام دولة كاملة السيادة. كما ربطت وزارة الخارجية السودانية هذه الاتهامات ببيانات تشير إلى أن القوات المهاجمة لا تتبع للحكومة الرسمية في طرابلس، مما يعزز سردية التحالف بين “الميليشيات العابرة للحدود” (حميدتي وحفتر) لتصوير الأمر على أنه خطر قد يبرر التدخل المصري أو الروسي.
2.2 كينيا والإيغاد: معركة السيادة الدبلوماسية ونزع الشرعية عن الوساطة
بالتوازي مع المسار العسكري، فتح الجيش جبهة دبلوماسية عنيفة في شرق أفريقيا. تركّز الهجوم هذه المرة على كينيا ومنظمة “إيغاد” (الهيئة الحكومية للتنمية)، في محاولة لقطع الطريق على أي تسوية سياسية قد تفرض شروطاً لا يرضاها الجيش بين قوسين الحركة الإسلامية.
اتخذ الجيش وخارجية سلطة الأمر الواقع ببورتسودان موقفاً متشدداً برفض رئاسة كينيا للجنة الرباعية المكلفة بحل الأزمة السودانية. لم يكن الرفض إجرائياً، بل استند إلى اتهامات شخصية مباشرة للرئيس الكيني ويليام روتو. صرحت الخارجية السودانية والجيش بأن كينيا “غير محايدة” وأن رئيسها تربطه علاقات تجارية وشخصية مع قائد الدعم السريع، متهمين نيروبي بأنها أصبحت ملاذاً ومسرحاً لتلميع صورة المتمردين.
تصاعدت حدة الخطاب لتصل إلى اتهام كينيا بالسعي لاستضافة “مؤتمرات تآمرية” تهدف لإعلان “حكومة موازية” للدعم السريع في المنفى، وهو ما اعتبرته الخرطوم “استخفافاً بالشرعية الدولية” وتهديداً لسيادة الدولة على الرغم من عدم وجود حكومة شرعية في السودان منذ انقلاب الـ25 من أكتوبر 2021م. وعزز الجيش روايته بإعلان العثور على أسلحة وذخائر تحمل علامات الجيش الكيني داخل مخازن استولى عليها من الدعم السريع في منطقة “صالحة” بأم درمان، مما حول الاتهام من الانحياز السياسي إلى التورط العسكري المباشر. هذا التصعيد أدى إلى تجميد عضوية السودان في الإيغاد ورفض التعامل مع مخرجاتها، مكرساً عزلة الجيش عن محيطه الأفريقي مقابل الرهان على منبر جدة أو المبادرات الثنائية.
2.3 تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان : جيوبوليتيكا الإمداد الخلفي
لم تسلم دول الجوار الغربي والجنوبي من الاتهامات، حيث صُورت تشاد وأفريقيا الوسطى كـ”ممرات” حيوية لاستمرار الحرب. بالنسبة لأفريقيا الوسطى، استند الجيش إلى تقارير خبراء الأمم المتحدة التي أشارت إلى استخدام منطقة “أم دافوق” الحدودية كمركز لوجستي رئيسي وخط إمداد لتجنيد مقاتلين من الجماعات المتمردة هناك.
أما تشاد، فقد تطور الموقف تجاهها من “العتاب الدبلوماسي” إلى “العداء السافر”. بدأت الاتهامات بالحديث عن تغاضي السلطات التشادية عن تدفق السلاح، ثم تحولت إلى اتهام مباشر للحكومة التشادية بفتح مطاراتها (تحديداً مطار أم جرس) لاستقبال طائرات الشحن التي تحمل العتاد للدعم السريع تحت غطاء المساعدات الإنسانية. هذا الاتهام سيشكل الأساس للانفجار الكبير في العلاقات مع الإمارات لاحقاً، حيث اعتبر الجيش أن تشاد هي مجرد “وكيل” ومنصة انطلاق لدولة أخرى، أما جوبا فقد اتهمت هي الأخرى بذات الاتهامات.

الانفجار الكبير.. “دولة الشر” وسردية “المافيا” (نوفمبر 2023 – 2024)
شهد شهر نوفمبر 2023 تحولاً جذرياً ونوعياً في خطاب الجيش السوداني. انتقلت المؤسسة العسكرية من مرحلة التلميح إلى مرحلة التصريح المباشر والعدائي تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة، متخلية عن كل الأعراف الدبلوماسية. قاد هذا التحول “الهجومي” الفريق أول ياسر العطا، مساعد القائد العام للجيش، الذي أصبح المتحدث الفعلي والأكثر صراحة بلسان المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة.
3.1 ياسر العطا: رأس الرمح في الهجوم الإعلامي
في خطاب ناري أمام حشود عسكرية في منطقة وادي سيدنا، كسر ياسر العطا حاجز الصمت الرسمي. وصف العطا دولة الإمارات بأنها “دولة مافيا” تمشي بالشر بين الناس، متهماً إياها صراحة بإرسال طائرات الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع عبر مطارات في تشاد (أم جرس) وأوغندا (عنتيبي) وأفريقيا الوسطى.
لم يكتف العطا بالاتهام، بل توعد بـ”القصاص” من كل الدول التي ساهمت في الحرب، بما فيها تشاد وليبيا والإمارات، واصفاً قادة تلك الدول بأوصاف حادة وغير مسبوقة دبلوماسياً. استند العطا في سرديته إلى معلومات استخباراتية قال إنها موثقة بالأقمار الصناعية، مشيراً إلى أن الجيش يملك الأدلة على الجسر الجوي الذي يمد “التمرد” بأسباب البقاء حسب زعمه.
أحدثت هذه التصريحات زلزالاً دبلوماسياً، أدى إلى تبادل طرد الدبلوماسيين بين الخرطوم وأبوظبي، وطلب تشاد اعتذاراً رسمياً رفضه السودان بشدة، مؤكداً أن “الأدلة لا تقبل الاعتذار”. تحول “الدور الإماراتي” منذ تلك اللحظة إلى ركيزة أساسية في الخطاب التعبوي الداخلي (الاستنفار)، حيث أصبح الجندي السوداني والمستنفر يقاتل ليس فقط “المتمرد المحلي”، بل يقاتل “إمبراطورية مالية” تسعى للسيطرة على موارد السودان الزراعية وموانئه على البحر الأحمر.
3.2 البرهان والالتحاق المتأخر بالركب
بينما كان العطا يقود الهجوم المباشر، حافظ البرهان لفترة على مسافة دبلوماسية، مستخدماً عبارات عامة في المحافل الدولية مثل “دول تدعم الإرهاب”. لكن مع اشتداد المعارك وتعثر المفاوضات وضغوط فلول النظام البائد عليه، تبنى البرهان الخطاب نفسه بشكل رسمي وقاطع.
في خطاباته الداخلية وأمام ضباطه، أكد البرهان رفضه لأي تسوية أو خريطة طريق تشارك فيها الإمارات أو “الرباعية الدولية”، واصفاً إياها بأنها “غير محايدة” و”منحازة”. وهاجم البرهان بشدة المبادرات الأمريكية التي يرى أنها تحفظ للدعم السريع وجوده، معتبراً أن أي حل لا يبدأ بإنهاء وجود “الميليشيا” هو حل مرفوضحسب وصفه
. بلغت ذروة هذا الموقف في رفضه القاطع لمقترح الهدنة الذي قدمه الموفد الأمريكي مسعد بولس، واصفاً ورقته بأنها “أسوأ ورقة قدمت” لأنها تطالب بحل الأجهزة الأمنية وتبقي على الدعم السريع، مما اعتبره البرهان محاولة لشرعنة “الاحتلال المزعوم”.

إعادة تعريف العدو.. سردية “عرب الشتات” والاستيطان (2024)
مع دخول الحرب عامها الثاني، وسيطرة الدعم السريع على مساحات واسعة في دارفور والجزيرة والخرطوم، واجه الجيش تحدياً ديموغرافياً واجتماعياً خطيراً. فالعدو “حسب اعلام الجيش” يعتمد على حاضنة اجتماعية وقبلية محددة. لمواجهة هذا الواقع، طور الجيش -وعلى لسان ياسر العطا أيضاً- سردية اجتماعية خطيرة تعرف بـ”عرب الشتات”، تهدف لنزع الجنسية السودانية عن الخصم.
4.1 من “متمردين” إلى “غزاة أجانب”: تفكيك الهوية
تعد هذه السردية الأخطر لأنها تمس النسيج الاجتماعي المعقد في منطقة الساحل الأفريقي. وفقاً لهذه الرواية، التي روج لها العطا في خطابات موثقة، فإن المقاتلين الذين يواجههم الجيش ليسوا سودانيين، بل هم “عرب شتات” (Arab Diaspora) تم تجميعهم واستجلابهم من النيجر، مالي، تشاد، وليبيا، وحتى موريتانيا.
استخدم العطا لغة قاسية جداً في توصيف هؤلاء، واصفاً إياهم بـ”رمم أوروبا” و”رمم الهجرة غير الشرعية” الذين فشلوا في عبور البحر المتوسط فتم توجيههم لاحتلال السودان وتغيير ديموغرافية البلاد لإقامة “مملكة آل دقلو” أو “دولة العطاوة” الكبرى.
والهدف من هذه السردية متعدد الأبعاد:
1. نزع الشرعية السياسية: إذا كان المقاتلون أجانب، فلا توجد “قضية سياسية” أو مطالب بالتهميش للتفاوض حولها، بل هو “غزو” يجب دحره.
2. التعبئة القبلية: استنهاض القبائل السودانية (النهرية والأفريقية في دارفور وحتى القبائل العربية غير الرزيقات) للدفاع عن “أرض الجدود” ضد “المستوطنين الجدد”.
3. تبرير المقاومة الشعبية: شرعنة تسليح المدنيين تحت شعار “الدفاع عن العرض والأرض” ضد غزاة لا يملكون قيماً ولا أخلاقاً ولا يعرفون حرمة البيوت.
4.2 استجلاب المرتزقة كدليل
عزز الجيش هذه الرواية بتقارير ميدانية تتحدث عن وجود قناصة ومرتزقة لا يتحدثون العربية بلهجة سودانية، وعن عمليات تجنيد قسري وتدفق للمقاتلين عبر الحدود الغربية المفتوحة. وأكد العطا في تصريحاته أن الدعم السريع يخسر الآلاف من جنوده أسبوعياً، ولتعويض هذا النزيف، يلجأ لاستجلاب “المرتزقة” من غرب أفريقيا بالمال، مما يحول الحرب من صراع داخلي إلى حرب دفاع عن السيادة الوطنية ضد تغيير ديموغرافية الدولة و اتضح لاحقا أن الجيش هو من يجند المرتزقة من التغراي و الروس و الإيرانيين.

الفصل الخامس: نظرية المؤامرة الكبرى.. إسرائيل والغرب (2024 – 2025)
في تحول لافت ومفارق، خاصة بالنظر إلى الخطوات السابقة نحو التطبيع التي قادها البرهان (لقاء عنتيبي مع نتنياهو)، عاد خطاب “المؤامرة الصهيونية” والغربية للظهور بقوة في عامي 2024 و2025، ليتوّج الهرم السردي و العبثي للجيش.
5.1 إسرائيل في قفص الاتهام: الانقلاب على التطبيع
بعد أن كانت إسرائيل شريكاً محتملاً، تحولت في خطاب الجيش (عبر ياسر العطا) إلى المحرك الخفي للحرب. صرح العطا في فيديو متداول بأن الحرب تهدف في جوهرها لتدمير الدولة السودانية وجيشها لصالح “أمن إسرائيل”. ربطت هذه السردية بين الدعم السريع وبين الأجندة الإسرائيلية، مشيرة إلى أن القوى الإقليمية (الإمارات) التي تدعم التمرد إنما تنفذ أجندة تخدم الكيان الصهيوني في المنطقة، وتسعى لتقسيم السودان لمنع قيام دولة قوية تهدد المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر وأفريقيا. يعكس هذا التحول محاولة واضحة لاستمالة الشارع السوداني والعربي المتعاطف مع القضية الفلسطينية، خاصة في ظل حرب غزة، ومحاولة لوصم الدعم السريع بـ”العمالة” للصهيونية، متجاوزاً بذلك تناقضات مواقف الجيش السابقة من التطبيع، مما يؤكد أن السرديات في هذه الحرب “وظيفية” تخدم متطلبات المعركة الراهنة.
5.2 الغرب وأمريكا: المتهم بصناعة الفوضى
لم تكن الولايات المتحدة والدول الغربية بعيدة عن دائرة الاتهام. قاد هذا الخطاب بشكل رئيسي الصحفيون والضباط المحسوبون على التوجيه المعنوي والإسلاميين، مثل العقيد إبراهيم الحوري، رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة السابق. روجت هذه الكتابات لفكرة أن الولايات المتحدة والغرب “أشعلوا الحرب” عبر فرض “الاتفاق الإطاري” الذي هدف لتفكيك الجيش وإبعاد الإسلاميين وتمكين “شلة سياسية” صغيرة (قحت) متحالفة مع الدعم السريع. كما أشار الحوري إلى أن الضغوط الأمريكية لإبعاد الإسلاميين وعمليات الإحالة للتقاعد في صفوف الجيش كانت جزءاً من مخطط إضعاف المؤسسة العسكرية. وتماهى البرهان مع هذا الطرح برفضه للمقترحات الأمريكية التي يرى أنها تشرعن وجود الميليشيا وتساوي بين الجيش والمتمردين.
الفترة الزمنية المتحدث الرئيسي الجهة المتهمة جوهر السردية / الاتهام السياق السياسي/العسكري
أبريل 2023 البرهان / الناطق الرسمي الدعم السريع (داخلي) تمرد عسكري، مخالفة للأوامر، محاولة انقلابية، “خيانة”. صدمة البداية، محاولة حصر الصراع، أمل الحسم السريع.
مايو 2023 أحمد هارون (خطاب مساند) رعاة الاتفاق الإطاري “حرب الكرامة”، استهداف هوية السودان، فشل القوى المدنية. خروج قادة النظام السابق، بداية التعبئة الأيديولوجية.
يونيو 2023 الجيش السوداني (بيانات) ليبيا (حفتر) دعم لوجستي وذخائر عبر الحدود، اختراق السيادة. تدفق السلاح، البحث عن تفسير لصمود الدعم السريع.
يوليو – أغسطس 2023 الخارجية / البرهان كينيا / الإيغاد الانحياز، رشاوى سياسية، استضافة “حكومة ظل”. الصراع على منبر التفاوض، رفض الحلول الأفريقية.
نوفمبر 2023 ياسر العطا الإمارات / تشاد “دولة مافيا”، جسر جوي للإمداد، إعلان حرب شاملة. سقوط حاميات في دارفور، الحاجة لتصعيد الخطاب وتبرير الهزائم.
يناير 2024 ياسر العطا / البرهان “عرب الشتات” غزو استيطاني أجنبي، تغيير ديموغرافيا السودان، “رمم أوروبا”. تمدد الدعم السريع في الجزيرة، التعبئة القبلية (الاستنفار).
مارس – أغسطس 2024 ياسر العطا إسرائيل / الإمارات الحرب تخدم “أمن إسرائيل”، مؤامرة لتدمير الدولة. حرب غزة، استمالة العاطفة الدينية والقومية.
نوفمبر 2025 علي كرتي (الحركة الإسلامية) قوى إقليمية (ضمنياً) دعم الجيش في “معركة الكرامة” ضد “دويلة الشر”. تماهي كامل بين الجيش والحركة الإسلامية في الخطاب.
استراتيجية “اللاعودة” ومآلات حرب السرديات
من خلال التحليل المعمق للوقائع والخطابات على مدار أكثر من عامين ونصف، يتضح أن الجيش السوداني قد انتهج سياسة “تصعيد سردي” ممنهجة، تهدف لقطع خطوط الرجعة مع الخصم. إن الانتقال من توصيف الحدث كـ”خلاف سياسي وعسكري” إلى توصيفه كـ”غزو أجنبي وجودي” و”مؤامرة صهيونية” يعني عملياً إغلاق الباب أمام أي حلول تفاوضية تعيد إنتاج الشراكة السابقة.
لقد نجح الجيش، عبر توزيع الأدوار بين البرهان (الدبلوماسية الحذرة) وياسر العطا (الهجوم الكاسح)، وبين استعارة أدبيات الحركة الإسلامية (معركة الكرامة) والخطاب الوطني (السيادة)، في بناء “سردية متماسكة” لجمهوره الداخلي. هذه السردية تقوم على فكرة أن الحرب هي “حرب صفرية” ضد عدو غريب يريد استيطان الأرض، وبالتالي فإن الخيار الوحيد هو القتال حتى النهاية.
ومع ذلك، فإن هذا النجاح في التعبئة الداخلية حمل كلفة باهظة خارجياً. فقد أدى هذا الخطاب إلى توتير العلاقات مع دول جوار محورية (تشاد، كينيا) وعزل الجيش عن بعض المنابر الدولية والإقليمية، كما وضع عقبات كأداء أمام أي وساطة مستقبلية، حيث أصبح من الصعب على القيادة العسكرية تبرير الجلوس مع من وصفتهم بـ”الغزاة الأجانب” و”المرتزقة” و”عملاء إسرائيل” دون أن تفقد مصداقيتها أمام قواعدها المستنفرة. إنها معضلة “الخطاب الوجودي”: عندما ترفع سقف العداء إلى السماء، يصبح النزول إلى طاولة المفاوضات نوعاً من الانتحار السياسي.

زر الذهاب إلى الأعلى