الأعمدة

فقاعات تلمع

عبد الكريم البليخ
هناك من يتزيّنون بقناع المفكّر والناقد، ويقتحمون عالم الأدب كما تُقتحم المسارح في لحظة فوضى، متشبّثين بادّعاءات لا يسندها علمٌ ولا تجربة. تراهم يتقدّمون بثقةٍ مصطنعة، يرفعون أصواتهم أكثر ممّا يرفعون منسوب وعيهم، ويتنقّلون بين المجالس والمنصّات بوصفهم “أوصياء على الثقافة” أو “أرباباً للمعرفة”، فيما لا يملكون من معالم الفكر إلا ظلّه الباهت.
ولأن الضجيج اليوم بات أسرع انتشاراً من الفكرة العميقة، يجد هؤلاء في الفوضى فرصةً لصناعة حضورٍ زائف، فيمدّون أيديهم إلى نتاج الآخرين، يسرقونه ويُهندمونه، ثم ينسبونه إلى أنفسهم بجرأةٍ لا تليق إلا بمن انقطعت صلته بالشرف الأدبي. وما أن تكتمل سرقتهم حتى يفاخروا بها، كأنهم أصحاب فضل أو روّاد مدرسة جديدة!
هؤلاء الطارئون على الأدب لا تحرّكهم رغبةٌ في المعرفة، ولا يدفعهم شغفٌ بالكتابة، بل يحدوهم جشعٌ نحو شهرةٍ مُختلَقة، زائفة يلمعون بها في عيون العابرين، بينما يعرف كل متابعٍ حقيقي أن تلك الأضواء لا تشرق من موهبة، بل من صخبٍ أجوف لا يلبث أن يخبو.
إنهم ظاهرة مؤقتة، كفقاعاتٍ تلمع على السطح ثم تتلاشى، فيما يبقى الأدب الحقيقي لأصحابه: أولئك الذين يصوغون الكلمة بصدق، ويمنحونها من عقولهم وقلوبهم ما يجعلها خالدة في الذاكرة والوجدان.

زر الذهاب إلى الأعلى