ما فعله “الكيزان” (اللا إسلاميون) بعد سقوط عرشهم هو تطبيق حرفي، وشيطاني، لهذه النظرية.لقد كانت ثورة ديسمبر بالنسبة لهم صوتاً يطالب بالمحاسبة، وتفكيك التمكين،
مجاهد بشري
ضاقت الأرض بسيف الدين عندما أخبرته زوجته أن “حماته” ستأتي لتقضي معها شهرا بالمنزل، فقد اقترب وضوع الزوجة بمولودها. كانت حماته في نظره، عبئاً ثقيلاً، صوتاً مزعجاً، مثيرة للفتن والقلاقل، دائما ما تحرّض بنتها عليه، ووجودها يكتم الأنفاس.
ذهب سيف إلى عمدة القرية شاكياً يطلب خلاصاً، فأشار عليه العمدة بحلٍّ أغرب من الخيال: “اذهب للسوق وأحضر خنزيراً وعش معه في نفس البيت لمدة اسبوع.”
جنّ جنون الرجل، وظنّ أن العمدة يسخر منه، خاصة وانه استغرب من استبدال العمدة لجلبابه الزاهي الأبيض بملابس عسكرية “كاكي”، لكنه أطاعه بعد إصرار الآخير، وفجأة، تحول البيت إلى جحيم؛ قذارة، رائحة لا تُطاق، وفوضى عارمة.
عاد للعمدة بعد يومين يصرخ مستغيثاً، فقال له العمدة ببرود: “الآن.. أخرج الخنزير.”
عاد سيف وأخرج الخنزير، ثم تنفس الصعداء وقال بامتنان: “يا الله.. ما أجمل الحياة مع حماتي! إنها نعمة!”
الحكيم هنا لم يحل المشكلة، ولم يُغير طباع الحماة؛ هو ببساطة تلاعب بمعايير الألم والتحمّل لدى الرجل، جاعلًا من “السيئ” جنةً مقارنة بـ “الأسوأ”.
التطبيق السوداني: هندسة اليأس
ما فعله “الكيزان” (اللا إسلاميون) بعد سقوط عرشهم هو تطبيق حرفي، وشيطاني، لهذه النظرية.
لقد كانت ثورة ديسمبر بالنسبة لهم كانت صوتاً يطالب بالمحاسبة، وتفكيك التمكين، ويهدد وجودهم التاريخي. لم يكن الشارع مجرد هتاف، بل كان كابوساً يؤرق مضاجعهم بمطالب المدنية والحرية.
أدركوا أن التخلص من “الثورة” بالطرق التقليدية مستحيل، ولا يمكن ان يقبل بهم أحد حتى بعد انقلابهم الذي قاموا به في 25 أكتوبر 2021م والذي أعادهم فيه حليفهم الجيش إلى مفاصل الدولة؛ فالوعي كان حاداً، والصفوف كانت متراصة، إذن، ما الحل؟ الحل كان في استحضار “الخنزير”.
الخنزير هنا هو الحرب
لم يشعلوا الحرب بهدف نصر عسكري خاطف، ولا حفاظاً على سيادة دولة؛ فتلك شعارات للاستهلاك الساذج. الحرب في عقيدتهم السياسية كانت أداة وظيفية وليست غاية.
لقد أدخلوا “خنزير الحرب” إلى بيت كل سوداني. خنزيرٌ يأكل الأخضر واليابس، يغتصب الأمن، يجوّع البطون، ويشرد الآمنين. صنعوا جحيماً أرضياً يجعل من أيام “قمع الحريات” و”فساد الدولة” و”صفوف الخبز” ورعاية الإرهاب، والتخطيط لاغتيال رؤساء الدول يبدو وكأنه ذكريات من الزمن الجميل.
كان الرهان كله على اللحظة التي ينهار فيها المواطن نفسياً، اللحظة التي يتنازل فيها عن حلمه بالكرامة مقابل حلمه بالبقاء، ليصرخ بملء فيه:”أخرجوا الخنزير (الحرب) وأعيدوا لنا حماتي (الكيزان).. فقد كنا في نعمة لم ندركها!”
الحرب على الوعي الزائف
بعد عام من إحضار الخنزير، بدأت تتردد في المجالس وعلى الألسنة عبارات الانكسار:
• “يا ليت أيامهم تعود!”
• “كانوا لصوصاً، لكننا كنا آمنين.”
• الكيزان “أرحم من هذا الجحيم.”
هنا تكمن شيطانية المخطط. فالإسلاميون لم يسعوا للانتصار في ميدان المعركة بقدر ما سعوا للانتصار في ميدان الوعي.
لقد أرادوا اغتيال “فكرة الثورة” في مهدها، وتحويل “الحلم المدني” إلى تهمة، وإجبار شعب كامل على قبول الحماة الضارة “الكيزان” كمنقذ وحيد من الخنزير “الحرب” الذي جلبوه لحياة السودانيين.
لكن دعونا نفتح “دفتر الحساب” الذي أرادوا حرقه بـ “خنزير الحرب”.
بينما كان الكيزان يصرخون في المنابر عن “الجوع” و”الفشل”، كانت حكومة الثورة تقوم بعملية تنظيف تاريخية لقذارة ثلاثين عاماً:
• غسيل السمعة الدولية: لأول مرة منذ عقود، رُفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. الجواز السوداني الذي كان تهمة، بدأ يستعيد لونه الأزرق بكرامة حقيقية.
• إسقاط الديون الثقيلة: العالم الذي كان يغلق أبوابه، فتحها فجأة، مليارات الدولارات من الديون التي كبّل بها “الكيزان” رقاب الأجيال، بدأت تسقط عبر بوابة نادي باريس ومبادرات الإعفاء.
• سلام جوبا: رغم كل الملاحظات، توقفت الطائرات عن قصف القرى في دارفور والنيل الأزرق، وجبال النوبة، وجلس “الفرقاء” في القصر بدلاً من الخنادق.
• عودة الروح للاقتصاد: استقرت العملة لفترة، وبدأت المؤسسات الدولية تثق في النظام المصرفي السوداني.
• أكسجين الحرية: الأهم من كل ذلك، كنت تنام دون أن تتوقع “زوار الفجر” من كتائب الظل وزبانية بيوت الاشباح عندما تتحدث في السياسة، تنتقد حمدوك وأي وزير في الحكومة في وسط السوق، وتعود لبيتك آمناً.
كانت (الثورة) تنظف البيت فعلاً، وتزرع الورد في الحوش الخلفي عوضا عن فتح معسكرات الاستنفار لقتل الشباب برميهم في آتون الحرب.
أدرك “العمدة” (العسكري) الكارثة، المشكلة لم تكن أن الشعب “يكره” الثورة.. الكارثة كانت أن الشعب بدأ يحبها! بدأ الناس يلمسون الفرق بين دولة “العزلة والظلام” ودولة “الانفتاح والنور”.
لو استمر هذا الحال لسنوات قليلة أخرى، لتعافى السودان تماماً، ولأصبح “الكيزان” مجرد ذكرى سيئة في كتب التاريخ، مثل الطاعون أو الجدري. لذا كان لا بد من إيقاف عملية “التنظيف” هذه فوراً.
إطلاق “الخنزير” المسعور
لم يكتفوا بإدخال خنزير (الحرب) ليجعل الحياة صعبة، بل أطلقوه ليأكل الأخضر واليابس. الخنزير هنا لم يكن مجرد إزعاج؛ كان دماراً شاملاً:
• بدلاً من الديون المعفاة، جاء النزوح والفقر.
• بدلاً من الحريات العامة، جاء الاعتقال والقتل على الهوية.
• بدلاً من السلام، جاءت حرب المدن.
بدلاً من العودة للمجتمع الدولي، عدنا لمربع الإدانات والعقوبات وتجميد عضويتنا في المؤسسات الدولية.
اليوم، عندما تسمع أحدهم يترحم على أيام الكيزان، تذكر هذا جيداً: هو لا يحنّ إلى “الأمن” الذي كان في عهدهم، بل هو يصرخ من وجع “أنياب الخنزير” (الحرب) الذي أطلقوه علينا.
لقد عرفوا أننا بدونهم كنا سنصلح بيتنا، ونعيش حياة أفضل تكشف بؤس العقود التي عشناها تحت بطشهم، فجلبوا لنا الخنزير (الحرب) التي هدمت كل شيء فوق رؤوسنا، ثم وقفوا فوق التل يقولون بوقاحة: “ألم نقل لكم إن الثورة كانت فوضى؟”
خاتمة
“ألو .. جنابو العمدة؟”
العمدة بإبتسامة صفراء : أها يا سناء، الخطة نجحت؟.
الحماة : و الله يا جنابو العمدة نجحت، و سيف بقى زي الخاتم في أصبعي، وهسه هو و أولاده كلهم وديتهم يحرتوا لي المزرعة، ويحرسوها لي.
العمدة: ما تنسي نصيبي من المحصول يا سناء..
سناء تضحك و تجيب في لهجة ماجنة : انساك ؟؟
إنت بتتنسي؟
ويضحك العمدة بأعلى صوت..
بينما يستمر سيف في بذل جهده و عرقه و أبناؤه من أجل سناء ..
على الأقل هي أفضل الخنزير.
أو هكذا يظن.



