الأعمدة

عدالة تُحاكم الثوار… وتصمت أمام الانقلابيين ومرتكبي المجازر

محمد الفاتح حضرة
في كل دول العالم، عندما يقع انقلاب عسكري على سلطة مدنية، فإن أول ما يتحرك هو القانون، لأن الانقلاب في جوهره جريمة دستورية قبل أن يكون حدثاً سياسياً.
فالانقلاب يعني ببساطة: تعطيل الدستور
تقويض النظام الدستوري
الاستيلاء على السلطة بالقوة
وهذه جرائم معروفة في كل القوانين.
لكن في السودان حدث العكس تماماً!! 🤨
في 25 أكتوبر 2021 وقع انقلاب عسكري كامل الأركان على الحكومة الانتقالية، شارك فيه قادة الجيش وقوات الدعم السريع، وتم فيه اعتقال رئيس الوزراء وتعطيل الوثيقة الدستورية.
وبلغة القانون هذا اسمه: تقويض النظام الدستوري
الاستيلاء على السلطة بالقوة
تعطيل أحكام الدستور
وهي جرائم كان يفترض أن تتحرك فيها النيابة العامة تلقائياً.
لكن ماذا حدث؟
لا بلاغات
لا تحقيقات
لا مساءلة
وكأن الجريمة لم تقع أصلاً‼️
بل حتى محاكمات انقلاب 1989 ضد رموز نظام الإنقاذ مثل عمر البشير وبقية قيادات النظام السابق، توقفت دون حسم، رغم أنها كانت تمثل اختباراً حقيقياً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
وفي المقابل، تتحرك البلاغات بسرعة مذهلة ضد شباب الثورة والسياسيين المدنيين، وتُوجَّه إليهم نفس تهمة تقويض النظام الدستوري التي كانوا ضحايا لها أصلاً‼️ 😡
والأخطر من ذلك، الصمت الطويل لأجهزة العدالة عن واحدة من أكبر الجرائم في تاريخ السودان الحديث:
مجزرة فض اعتصام القيادة العامة.
سنوات مضت… ولا محاكمات حقيقية اكتملت… ولا مساءلة وصلت إلى نهاياتها…
وكذلك جرائم قتل الشباب في المواكب والمظاهرات، التي سقط فيها عشرات الضحايا، ولم يرَ الناس فيها عدالة ناجزة حتى اليوم.
بل وصل الأمر إلى خطوة أكثر خطورة، عندما قام قائد انقلاب 25 أكتوبر بإجراء تعديلات على الوثيقة الدستورية ألغى فيها النص الخاص بتشكيل لجنة التحقيق الوطنية في جرائم قتل الثوار، وهو ما فُهم عملياً كإنهاء للجنة التي كان يرأسها المحامي نبيل أديب‼️
وكان المفترض قانوناً، بعد توقف تلك اللجنة، أن تتحرك النيابة العامة فوراً لفتح بلاغات جنائية مستقلة حول: مجزرة فض الاعتصام
جرائم قتل المتظاهرين
وكل الانتهاكات المرتبطة بها
لكن ماذا حدث؟
لا شيء‼️ 💢
صمت كامل… وكأن دماء الضحايا أصبحت خارج جدول العدالة.
أما في جرائم الحرب والانتهاكات التي شاهدها السودانيون بالصوت والصورة، فالمفارقة أكبر.
مجازر ولاية الجزيرة… ومأساة ود النورة… والانتهاكات التي تم تداولها على نطاق واسع…
كلها ارتبطت في الخطاب العام بأسماء قيادات ميدانية في الدعم السريع، وعلى رأسهم أبو عاقلة كيكل.
ومع ذلك يسأل الناس حتى اليوم:
أين البلاغات؟ أين التحقيقات؟ أين المحاكمات؟ 🤔
بل إن أسماء أخرى تتردد في النقاشات العامة مثل المصباح، محمد بقال سراج، الانصرافي، طارق كيجاب، عبدالمنعم الربيع، حسبو عبدالرحمن، وغيرهم، ويتساءل الناس عن سبب غياب الإجراءات القانونية العلنية بشأن ما يُنسب إليهم من وقائع إذا ثبتت.
ليس الهدف هنا الإدانة الإعلامية… بل السؤال عن مبدأ المساواة في تطبيق القانون.
وفي نفس الوقت، نسمع بشكل متكرر عن محاكمات لشباب من نفس مناطق الانتهاكات بتهمة التعاون مع الدعم السريع، بل صدرت أحكام بالإعدام ضد بعضهم.
وهنا المفارقة المؤلمة:
اتهامات بلا حماية تتحول سريعاً إلى أحكام… واتهامات ضد نافذين تبقى بلا إجراءات‼️
بل إن مقاطع فيديو متداولة أظهرت جرائم قتل بشعة وعمليات ذبح وانتهاكات صادمة، ومع ذلك لا يرى الناس تحركات قانونية بنفس السرعة التي يرونها في قضايا أخرى.
وهنا يصبح السؤال:
هل العدالة ترى الجميع… أم ترى فقط من لا حماية لهم؟ 🛑
النيابة تلاحق سياسيين مدنيين مثل رئيس الوزراء السابق وقوى الحرية والتغيير، وتوجه لهم تهم الانقلاب وإثارة الحرب…
بينما هم أنفسهم الذين أُطيح بهم بالانقلاب.
أي عدالة هذه؟!!
القضية ليست الدفاع عن أشخاص… بل الدفاع عن مبدأ:
هل القانون واحد؟ أم قانونان؟
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
أي أن العدالة الحقيقية تبدأ عندما لا توجد أسماء محصنة.
وقال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
أي أن حتى الخصومة السياسية لا تبرر الظلم.
وقال النبي ﷺ:
“إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.”
وهذا أخطر وصف لانهيار الدول.
فالدول لا تسقط فقط بالحروب… بل عندما يصبح القانون قوياً على الضعيف… وضعيفاً أمام القوي.
ولا تضيع العدالة عندما تتأخر… بل عندما تصبح انتقائية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم في السودان ليس:
من الذي تتم محاكمته؟
بل:
من الذي لا يمكن محاكمته؟
فإذا وُجد أشخاص فوق القانون… فهذه ليست أزمة قضاء فقط …
هذه أزمة عدالة‼️ 🛑
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس انتشار السلاح… بل سقوط هيبة العدالة.
لأن الدولة قد تتحمل الحرب… وقد تتحمل الفقر… وقد تتحمل الأزمات…
لكنها لا تتحمل أن يقتنع شعبها أن القانون لا يحميهم… بل يصنّفهم‼️
عندما يصبح القاتل معروفاً ولا يُحاكم… وعندما يصبح الضحية متهماً… وعندما يخاف الشاهد من قول الحقيقة… فاعلم أن ميزان العدالة قد اختلّ.
التاريخ لم يرحم نظاماً استخدم القضاء ضد خصومه… ولا احترم دولة جعلت القانون درعاً للأقوياء وسيفاً على الضعفاء.
فالدماء التي لم ينصفها القضاء… ستبقى قضية في ضمير الشعوب.
والجرائم التي لم تُفتح لها ملفات… ستفتحها الأيام.
والأسماء التي أفلتت من محاكم الدنيا… لن تفلت من محكمة التاريخ.
فالعدالة قد تتأخر… لكنها لا تموت.
والشعوب قد تصبر… لكنها لا تنسى.
وسيبقى السؤال الذي سيلاحق كل من شارك أو سكت أو برر:
هل كنتم مع العدالة… أم مع القوة؟ 🤨🛑
#السودان
#العدالة
#لا_للإفلات_من_العقاب
#مجزرة_القيادة_العامة
#سيادة_القانون
#التاريخ_لا_يرحم

زر الذهاب إلى الأعلى