الأعمدة

حوار العربة بلا حصان!

( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي
كلمة «حوار» في حد ذاتها، كمفردة، تنضح حروفها برضاب التفاؤل، وتفتح شهية النفوس لتذوق طعم السلام؛ ذلك السلام الذي بات حلماً يراود أكثر الذين تجرّعوا مرارة جرح الحرب، وربما أكثر بكثير من رغبة الذين يحملون السكاكين التي لا تزال تتقطر بدماء ذلك الجرح الذي فتحوه، وما زال نازفاً في عدة أطراف من الوطن، يستحلب شرايينه على قلة ما تبقى فيها من موارد وشحها.
وقد انعكس ذلك كله سلباً على حياة الناس، المقيمين منهم والعائدين لاستئناف حياتهم ولو بالحد الأدنى من الخدمات، في ظل تضييق ممرات كسب العيش جراء حرب أتت على اليابس بعد أن قضت على الأخضر في أغلب قطاعات الإنتاج وسبل الرزق.
ولست أدري إن كان ما ذكرناه أعلاه يقع ضمن أولويات لجنة الحوار التي أعلنت، قبل أن تبدأ نشاطها ــ ونحن لا نعلم بعد ما هي أجندتها وأولوياتها ــ أنها لا علاقة لها بوقف الحرب!
وكأنها تقول لنا: سنُعدّ العربة، لكننا لا نملك إجابة عن موعد العثور على الحصان الذي سيجرها في مضمار السلام، حتى تقطع بقية الطريق وصولاً إلى الهدف الأسمى: حلحلة قضايا البلاد الضاربة بجذورها في عمق أزماتها.
فتقول اللجنة إنها مستقلة عن قيود السلطة الحاكمة، ولكن يبقى السؤال المحوري: لمن سترفع توصياتها النهائية؟
وذلك إذا أحسنا الظن في نواياها، وصدقنا أنها لا تتبع لأي جهة حاكمة أو سياسية.
فمن لا يملك قرار وقف الحرب، أو لا يملك قوة إملاء قرار وقفها على طرفيها أو على أحدهما، يصبح جهده في نهاية المطاف من قبيل
«طقّ الحك»؛
إذ ستنتهي أضابير توصياته، مهما كانت قيمتها، إلى محرقة الحرب المستمرة، بينما يجري التحاور خلف حريقها!
وحتى الآن، لم يصدر من أي طرف من أطراف النزاع ما يبشر بأن أياً منهما، أو أحدهما على الأقل، سيضع السلاح أرضاً قبل أن يضع توصيات تلك اللجنة، إذا ما قيّض الله لها أن تصل إلى ما يصبو إليه المكتوون بنار الحرب من أحلام تتراقص خلف دخان المعارك هنا وهناك.
فالوطن اليوم لا يعاني من مجرد اختلاف في الرؤى السياسية، وإنما من انقسام جغرافي وإداري وعسكري، بات معه الحديث عن السلام أشبه بمحاولة البحث عن طريق وسط غابة من النيران.
أما الذين لا يزالون يحملون السلاح، ويجلبون المزيد من الحطب والزيت إلى النار، فليس وقف الحرب حلماً بالنسبة إليهم؛ ولذلك لا يبدو في الأفق القريب أي ملمح أو تصور واضح لإطفاء تلك النار التي تمددت مساحتها، وتعالى دخانها حتى أعمت العقول قبل العيون والأبصار.
فهل يمكن لعربة الحوار أن تمضي إلى محطة السلام، وهي بلا حصان يجرها؟
والله من وراء القصد، وهو المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى