الأعمدة

سرّ الورقة والقلم

عبد الكريم البليخ
يظلّ للورقة والقلم مناخُهما الخاص؛ فسحرهما لا يُشبه أي فضاء آخر، وهما الرفيقان اللذان نقرأ بفضلهما الواقع، ونستدعي عبرهما صور الماضي المخبّأة في زوايا الذاكرة. ومع كل سطر نخطّه، نعيد تشكيل بعض ما صار، ونفتح نافذة صغيرة لما نأمل أن يصير، كأن الكتابة محاولة دائمة لترميم ما تكسّر، أو لإعادة ترتيب ما اختلّ في زحمة الأيام.
وفي المقهى، بهدوئه الذي ألفناه، وبذلك الصمت الوارف الذي يُلقي بظلاله على الوجوه الحاضرة، يطيب الحوار، وتصفو الرؤية. هنا، حيث يختلط عبق القهوة بوميض الأفكار، نعيد جدولة ما مرّ بنا، ونوجّه الضوء نحو ما سبق أن عانيناه، وما رافقنا من محطات وتحوّلات.
إنه المكان الذي يحثّنا على وضع النقاط فوق الحروف بلا تردّد، وإطلاق عنان القلم إلى حيث يشتهي القلب، فنغرف من ذاكرةٍ لا تزال تضجّ بالصور والأسماء والوجوه. وكم في هذه الزاوية الهادئة من المقهى ما يوقظ فينا شجن الماضي ودفء ذكرياته التي تأبى النسيان، وكأن الورقة والقلم جسرٌ خفيّ بين ما عشناه وما نتمناه.
هكذا، نكتب كي لا يضيع ما يستحق أن يُروى، وكي يبقى أثرٌ صغير يذكّرنا بأن للحكايات امتداداً، وللذاكرة قلباً لا يشيخ.

زر الذهاب إلى الأعلى