أسامة سليمان
ليس شرطاً أن يتناول الشعرُ أموراً جميلة أو مشاعر مبهجة؛ المهم أن يكون صادقاً، عارياً، يلمس القلب بلا تصنّع.
والحزنُ، في رأيي، هو سلطانُ الشعر.
والحربُ، أم الاحزان. بكل ما فيها من وجع، تُرغم الشاعر على اتخاذ موقف.
أحياناً تُربكه الصدمة فيصمت، وأحياناً يتهوّر ويتألّم في العلن.
عندما اندلعت الحرب، أصيب قلمي بالذهول أول الأمر؛
ظل صامتاً لأسابيع، ثم انطلقت النصوص “مثل مدفعٍ رشاش”وهو وصفٌ يطابق الحرب تماماً. فكتبت كثيرا ، صببت جام غضبي وأسئلتي وحزني في الورق.
وبعض تلك النصوص ترجمتها د. إشراقة مصطفى إلى الألمانية، وأُلقيت في فعاليات عدّة عن السلام.
كنتُ أظن أن الحرب شيئٌ يحدث لآخرين لا نعرفهم،
نراهم في نشرات الأخبار بنصف عين ، وبحزنٍ كامل.
لم أتوقع يوماً أن تُدخِل الحرب كاميراتها إلى دارنا وحيّنا ومدينتنا،
وأن نصبح نحن الخبرَ الرئيس،
نحن الذين يشاهدنا العالمُ بنصف عين وبحزنٍ كامل.
عندما دخلت الحرب بيتَنا وشرّدت أهلي، صاروا يحملون بطاقات “لاجئ” في بلادٍ غريبة.
حين دخل غرباءُ بيتَنا، خلعوا الأبواب ودنّسوا البلاط واتلفوا الزرع .
لم تُلجِم الحربُ قلمي،
بل شحذت سكينَ القصيدة داخلي،
فغاصت في لحم الوجع، وقالت عنه الكثير
…..
#كُنتُ_أحسَبُها_خُرافة
-كُنتُ أحسَبُ أنّ الحربَ خُرافة..
شيٌ بعيد..
يحدثُ لأشخاصٍ غرباءَ في مدنٍ غريبة،
لا أعرف مواقعَها على الخريطة
تراجيديا أُشاهدُها في نشرات الأخبار ..
يجتاحُني الحزنُ للحظة
ينقبضُ قلبي، أُشيحُ بوجهي ،
أغيِّرُ القناةَ من الأخبارِ للموسيقى
و ينتهي الأمر..
-كنت أحسبُ أن بيتنا في أمدرمان
سيظلُ منتصباً هناك على ناصِيتِهِ المجيدةِ للأبد..
لابُد أن يظل..
لأنه شُيِّدَ من حبٍ و من حجر
ليس للمنطقةِ تاريخٌ في الزلازلِ
ليس بقربِ المنزلِ بحرٌ كثيرُ الاحتجاجِ يُرسِلَ ُ لعناتِه حين يغضب
-كان أبي متحمساً ،وهو يضعُ حجرًا على حجرٍ على حجر
اتذكره بوضوح
يحتسي الشاي، يراقبُ الرجال يصنعون قلعَته
و يبتسم ..
يُشيرُ عليهمُ أن يفعلوا كيتَ و كيت..
بأن هذا الجانبَ من الحائط يناسبه الأزرق..
بأنه يريدُ نوافذَ أوسع
أبوابًا في كل إتجاه
-كنتُ أظنُ أن الشجرةَ أمام دارِنا
ستظلُ أعوامًا عديدة
مزهوةً بالخضرةِ و الذكريات..
خَططتُ للعودةِ عشرين مرة
أحداها في منتصفِ يونيو
أقسَمتُ أن كلَّ يونيو سأعود
و أعود
لنتسامر تحت ظلِ الشجرة
أنا و امي و أخواتي و الجارات..
و القهوة
نتَذَكَّرْ ،
نرغي و نَزبِدْ بكلامٍ تافه
بكلامٍ ملآن
نحزن
نضحك..
-الى أن استيقظتُ ذاتَ صباح
شَغّلت التلفاز
ياللهول
كُنّا نحنُ ،الخبر الرئيس..
قلتُ كذبةٌ أبريليةٌ سَمِجة
سيمضي أبريلُ و تُفتَضَح ..
و سيُعاقَبُ مخترعُها المستهترُ أيّما عِقاب..
-لكن الموت
الحُطام
النار
الهاربين
الصِغار الجزعين تحت الأسِرة
اللصوص
أكاذيبَ الجنرالات
الجثثَ فاغرةَ الافواه على الطرقات
أخبرتني بأنها الحربُ بلا شك
ليس كما كنت أتَمَنى، كذبة.
بأن بيت أبي مهدَّدٌ
بقذيفةٍ طائشة
بغرباء َ يستبيحون حُرمةَ نوافذه الكبيرة
جدرانه الزرقاء
صورة جدي الوحيدةَ في الصالون .
و الشجرة .
أمل عمر
#حرب_وحبر



