الأعمدة

تلك عشرة كاملة

#احمد_عثمان_جبريل..#يكتب:
هناك لحظات نادرة من مسارات الحياة، حثاة الإنسان او حياة شعب بأكمله، تظهر ملامح التحوّل غي حياته كأنها تأتي من خارج الزمن، فتعلن نهاية طور وبداية آخر.. وما يلوح اليوم في أفق السودان ليس مجرد تقاطع مصالح دولية، ولا مجرد إعادة رسم لخارطة الإقليم، بل هو شعور بأن الحرب التي أنهكت البلاد قد بلغت حدّها الأخير، وأن العالم يتهيأ لدفعها إلى مصير مختلف، سواء أراد أطرافها أم أبوا.. فسلام السودان، بكل تعقيداته وكلفته، بات أقرب إلى الإمكان من أي وقت مضى، ومعالم الطريق تكاد تكون مرئية لمن يقرأ بدقة، ويُبصر ما بين السطور، إلا لمن في عينه رمد.
❝ إذا استحكمت العوائد وتغلّبت العصبيات، ظنّ أهلها أنّها قدرٌ محتوم، حتى إذا تبدّلت الأحوال ظهر أنّ الحقيقة كانت قريبة، ولكن العمى كان في البصائر لا في الأبصار. ❞
— ابن خلدون
(1)
إن السودان يدخل الآن مرحلة لا تسمح بمراوغات الخطاب، ولا تحتمل تلك الأسطوانة التي ظل يكررها الفريق عبدالفتاح البرهان، عن عدم وجود تنظيم الكيزان داخل الجيش والدولة العميقة.. لقد أصبح هذا الحديث مرهقاً لدرجة أن الأطفال يسخرون منه، وكأنه يصور شعباً فاقد الذاكرة، أو أمة لا تعرف أبناءها، أو واقعاً يمكن طلاؤه بلون واحد مهما اشتد وهجه.. العالم كله يعرف، والإقليم يعرف، والشعب يعرف، ولو أن الله تعالى أذن لحجارة السودان لنطقت أن الإسلاميين ما زالوا في مفاصل الدولة، وأنهم يلونون القرار ويغذون الصراع، وأن إنكار ذلك لم يعد سوى شكل من أشكال (الاستعباط السياسي) الذي لا يليق بقائد جيش ولا برجل دولة.. لقد انتهى زمن التذاكي سيدي البرهان، لأن العالم تجاوز المرحلة التي كان فيها الإنكار مفيداً، وأصبح الصمت عليه عبئاً أخلاقياً وسياسياً في آن واحد.
(2)
وإذا كنت أيها البرهان حريصاً حقاً على عبور السودان نحو سلام جديد، فليس أمامك سوى طريق واحد: أن تبدأ في التخلص من الإسلاميين بدءاً بنفسك، قبل أن تنتظر من الآخرين أن يحذوا حذوك.. فالدولة التي تريد أن تقودها نحو المستقبل لا يمكن أن تبقى رهينة تنظيم أثبتت التجربة أن ولاءه لذاته لا للوطن، وأن حضوره يعني دورة جديدة من الفشل.. عليك أن تواجههم لا أن تداورهم، وأن تقرّ بما يعرفه الجميع، وأن تقول للشعب بوضوح: “سأبدأ بنفسي، وأكون أول من يرفع الغطاء عمن يستترون بي”.. عندها فقط يمكن أن نجد لنفسك مكاناً في خارطة التحول المقبلة.
(3)
إن القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لم تعد تنظر إلى السودان كصراع محلي، بل كجزء من منظومة أمن إقليمي كبرى.. وما صرح به ترامب عن “إيقاف ثمانية حروب واقترابه من التاسعة” لم يكن رسالة عبثية؛ بل كان مؤشراً إلى أن ملف السودان أصبح مشروعاً جاهزاً ليكون “العاشرة” التي تكتمل بها الدائرة. فخارطة الطريق التي تُصنع الآن تقوم على مبدأ بسيط:”من يأتي طوعاً سيُستقبل، ومن يمانع سيُدفع دفعاً، وبين العصا والجزرة يُعاد ترتيب الواقع بما يناسب مصالح العالم واستقرار الإقليم”.
(4)
العصا واضحة ومكشوفة:” تلويح السلاح الكيماوي، تتبع لمصادر التمويل، ضغط إقليمي صارم، وملفات انتهاكات تم تجهيزها يمكن فتحها في أي لحظة كفيلة بأن تتولاها المحكمةالجنائيةالدولية.. هذه ليست أدوات تهديد بل أدوات قرار، والعالم مستعد لاستخدامها حين يحين الوقت.. هكذا يتحدث من بيدهم ملف سلام السودان.. أما الجزرة فهي أيضاً ليست سراً: “خروج آمن، ضمانات انتقال، إعادة دمج، وإعادة إعمار لكل خراب السودان.. ومن يقبل بها يربح بعضاً من الشرف السياسي، ومن يرفضها قد يجد نفسه أمام خيارات أشد قسوة مما يتصوره.
(5)
وإذا كانت هناك خطوة تمهيدية حركت المياه الراكدة بعنف، فهي إعلان الإخوان المسلمين “منظمة إرهابية”.. لم يكن ذلك مجرد قرار أمريكي، بل مفتاحاً لمرحلة جديدة.. فهو يجفف مصادر الدعم، ويفتح الباب لإعادة هيكلة الدولة بلا ابتزاز عقائدي، ويمنح الإقليم مبرراً لدعم مسار السلام دون أن يُتهم بالانحياز.. لقد أنهى القرار اللعبة التي ظل الإسلاميون يتقنونها لعقود، وجعل زمن الاحتماء خلف الشعارات أقرب إلى النهاية.
(6)
والحق الحق أقول:” أن السودان لن يخرج من النار إذا ظلّ قادته أسرى المراوغة.. فالشعب الذي أُحرق بيته، وهُجّر من أرضه، وجاع وخاف وفقد الأمن، لم يعد يحتمل خطاباً يبرر أو يداور أو يتهرّب”.. السودان يحتاج رجال دولة، لا رجال ظلّ.. يحتاج مواجهة حقيقية مع جذور الأزمة، لا تلاعباً في ظاهرها.. والسلام الذي يلوح في الأفق يتطلب شجاعة لا مكراً، ويتطلب صدقاً لا حِيلاً لغوية.
(7)
أستطيع القول هنا أن الدائرة اكتملت، وبلغت الحرب حدّها، وباتت ساعة الحقيقة أقرب من أي وقت مضى.. العالم يتهيأ، والإقليم يضغط، والمرغم والمختار سيجدان نفسيهما على الطاولة نفسها.. شاء من شاء وأبى من أبى، وما على البرهان إلا أن يقرّر موقعه من هذه اللحظة:” إما أن يكون جزءاً من الحل، أو أن يترك المكان لغيره”.. أما السودان، فهو أكبر من الجميع، وأحق بأن يخرج إلى سلام يصنعه أبناؤه بأيدٍ نظيفة، وبصيرة مفتوحة، وعزم لا يخون، أو يخور، وتلك عشرة كاملة..إنا لله ياخ..الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى