المهندس/ محمد عوض الله
ظل قطاع النفط يعاني من أهوال الحرب منذ اندلاعها في الخامس عشر من أبريل 2023، حيث توقفت العمليات الفنية بشكل جزئي في الحقول المنتجة وما لحقها من دمار وتوقف عمل الشركات من العاصمة الخرطوم وما لحق من أضرار بالغه متمثلة في حرق برج شركة النيل وبرج شركة بترودار وقصف المبني الرئيسي لوزارة الطاقة والنفط بشارع المطار وتلف كميات كبيرة من المعلومات النفطية والخرائط والمستندات الحقلية، إلا أن العاملين ظلوا متمسكين بتشغيل العمل الحقلي بشكل كبير، متحدين المخاطر في ظل الحرب وصعوبة العمليات اللوجستية.
يعتبر قطاع النفط في السودان من أميز القطاعات الناشئة، وعلى الرغم من أن أول عمليات استكشاف بدأت عام 1959 بواسطة شركة” أجب” تلتها محاولات شركة “شيفرون” الأمريكية في منتصف السبعينات، الا أنه تم تصدير أوله شحنة تجارية في العام 1999 من حقل هجليج، و ظل القطاع في حالة نمو مستمر حيث تمت اكتشافات جيولوجية مستمرة في منطقة غرب كردفان في حقل بليلة٬ و في منطقة أعالي النيل في عدار و فلج٬ و في بعض المناطق الأخرى تمت استكشافات متفرقة، بشكل عام ظل القطاع في حالة تطوير مستمر٬ مستخدما الأسس العلمية الصحيحة و التكنولوجيا العالمية، وكذلك باستقدام مستثمرين من كل وجهات العالم مثل شركة “تلسمان” الكندية و “بتروناس” الماليزية، و شركة CNPC الصينية و بعض الشركات الخدمية العالمية.
ومع هذا الزخم الهائل من الأعمال المتواصلة من عمليات الاستكشاف و الإنتاج كان لابد من بناء أصول ضخمة تم إنشاؤها من عوائد الخام لكي تساعد في عمليات النقل و الترحيل٬ وتكرير النفط الخام المنتج حتي يتم استخدامه كمواد بترولية و كمدخلات في النقل و الزراعة و الكهرباء كما هو معلوم.
و علي الرغم من عمليات الفساد الممنهجة التي اتبعتها المجموعة الحاكمة خلال عهد البشير، إلا أن الأصول الثابتة ظلت مكتسبات للأمة السودانية و التي تقدر بحوالي 3 مليارات دولار امريكي٬ و كانت أحدي مقومات جذب المستثمرين في المحاولات الأخيرة قبل انقلاب الخامس و العشرون من أكتوبر في العام 2021 .
من أهم الأصول التي تم انشائها بناء على المواصفات العالمية هي مصفاة الخرطوم التي توفر حوالي 120 ألف برميل من المنتجات النفطية يوميا، إذ كانت تعمل بكامل الكفاءة الفنية، وكان هنالك توفر في الخام، وأيضا تم بناء خط من منطقة فلج وعداريل في ولايات أعالي النيل مرورا بمحطة أم دباكر إلى مصفاة الخرطوم ومن ثم الي ميناء بشائر 2.
أما الخط الثاني الذي سٌمي لاحقا بخط “بتكو” وهو الخط الناقل من منطقة هجليج مرورا بمصفاة الأبيض وصولا إلى مصفاة الخرطوم٬ ومنها الي ميناء بشائر، حيث ينقل الخام المنتج من حقول هجليج 2B, 2A&4 والذي تقدر سعته التشغيلية بحوالي 340 ألف برميل يوميا الا أنه في الآونة الأخيرة ظل يعمل بمستوي متدني نسبة لانخفاض معدل الإنتاج من الحقول السودانية، والتي تمثل عباره عن 22 ألف برميل يوميا للسودان و60 ألف برميل لدولة جنوب السودان.
كل هذه العمليات في منطقه هجليج وخط “بتكو” توقفت منذ مساء أمس الاول توقفا كاملا لدواعي القوة القاهرة Force Major، و التي تشمل كل عمليات الإنتاج النفطي من الآبار ومحطات الضخ ومحطات المعالجة الصغرى EPF ومحطه المعالجة المركزية CPF.
ومعني ذلك سوف يتسبب الايقاف في خسارة يوميا لرسوم ترحيل حوالي 60 ألف برميل لدولة جنوب السودان و حوالي 22 ألف برميل من خام جمهورية السودان، بالإضافة إلى الجزء الأهم هو الخسارة المهولة الناتجة عن توقف العمليات في الخط الناقل والذي يعتبر إعادة تشغيله أمر مكلف جداً وبالغ التعقيد فنيًا، هذا في حال ظل الخط سليمًا! كما أن هنالك متطلبات فنية مستمرة على مدار الساعة والتي توقفت جرَّاء ترحيل العاملين صباح أمس جراء دخول الدعم السريع لحقل هجليج.
وتعتبر هذه كارثة اقتصادية سوف تسهم في دمار ما تبقي من اقتصاد البلاد الذي ظل يعاني من ويلات الحرب المستمرة؛ لأن المصير المجهول للخط الناقل الذي ظل يعمل منذ عام 1999 دون توقف ” إذا توقف الخط فترة أكثر من 48 ساعة “٬ وتعتبر القيمة المالية ” قيمه الاصول و المنشات النفطية” بحوالي أكثر من مليار وستمائة مليون دولار أمريكي.
اما بخصوص خروج شركة CNPC الصينية من مربع 6 في منطقة بليلة فهو بسبب القوة القاهرة المتضمنة في اتفاقية قسمة الانتاج٬ كما هو في الوضع الحالي “وضع الحرب ” فمن حق أي من الشركاء طلب انهاء الاتفاقية من طرفه بناءًا على النقطة المضمنة بالعقد التشغيلي على ان يلتزم الشريك الأجنبي بالإيفاء بكل متطلبات الاتفاق كما هو مشار اليه٬ مثل إزالة الخطر البيئي أو الالتزام بكل الالتزامات المالية مثل اموال المتعاقدين من الشركات المحلية وحقوق العاملين.
بشكل عام ظل الشريك الصيني لا يقوم بكل الالتزامات المذكورة اهمها تمويل زيادة الانتاج ويُحمل هذا التراخي لحكومة الإنقاذ حيث ظلت تستدين من الشريك الصيني كميات من إنتاجه لتسد النقص الناتج من انفصال جنوب السودان وما ترتب عليه من شح في المواد البترولية بين عامي 2017 _ 2019.
بالرغم من الضغوطات المستمرة من حكومة الفترة الانتقالية للشريك الصيني ضمن برنامج زيادة الانتاج الا ان الوضع ظل كما هو!
بشكل عام خروج الشريك الاجنبي الوحيد في هذه الفترة يعتبر خسارة في المدي القصير٬ وكذلك يعتبر خسارة في الوقت الحالي نسبة لتوقف عمل الحقل بشكل عام؛ وإيقاف إنتاج ما يقارب ال 22 ألف برميل يومياً،” الصين تمتلك 95% وسودابت 5%”.
أما على المدى الطويل، فهو قد يعتبره خبراء مخرج من كماشة المستثمر الصيني وهذه الاتفاقية لما صاحبها من عيوب تعاقدية تضررت منها حكومة السودان وأهم هذه النقاط انها تضمن خلافا جوهريا حول أمد الاتفاقية.
بشكل عام كان من الأفضل تحيد مناطق الإنتاج بتفاهمات بين الأطراف، وأن يستمر الفنيون في إدارة تشغيل الحقول كما أثبتت التجربة اثناء فترة الصراع الليبي، وسوف تمثل إعادة بناء قطاع النفط عقبة كبيرة في اليوم التالي لإيقاف الحرب، إلا ان التجارب تشير إلى أن هنالك إمكانية إذا توفرت ظروف التمويل المناسبة.



