القرار الشجاع هو أن يقرن والي الخرطوم هذه الحقيقة التي أعلنها بإقراره بالخطأ الذي ارتكبه في حق المواطنين الذين عادوا إلى الخرطوم تلبيةً لدعوة الحكومة الكاذبة!!
أطياف
صباح محمد الحسن
دعوة مغادرة!!
طيف أول:
ثم سيمر كل فصل أليم لا نعرفه، وكل رياح قاسية كانت تجهلها نوافذنا، وكل حلم سيطرق أبوابنا غداً، أليس كل جميل يأتي متأخراً!!
والكاتب الصحفي يوسف عبد المنان تحدث عن تصريح لأحمد عثمان حمزة، والي الخرطوم، حول مستقبل وسط العاصمة، وصفه بالشجاع والصريح. وقال عبد المنان إن الوالي أطلق “المسكوت عنه” عندما أقر بأن وسط الخرطوم “لن يعود الآن ولن تصله الكهرباء والمياه” إلا في المستقبل البعيد، وبموجب خارطة طريق جديدة تضعها “شركة عالمية” لتطوير المنطقة من المقرن حتى السكة حديد!! وأشار عبد المنان إلى أن هذا الحديث من الوالي يعد بمثابة إطلاق “رصاصة الرحمة” على قلب العاصمة التعليمي والتجاري، وذكر أن الوالي قد وضع شروطاً قاسية لعودة الحياة، حيث قال إن على أي صاحب فندق أو نشاط تجاري يريد استئناف العمل أن “يتحمل الكهرباء والمياه والصرف الصحي” بنفسه.
ويرى الكاتب أن هذا القرار يمثل نهاية محتملة للسوق العربي بكل زخمه القديم، وللمؤسسات التعليمية الكبرى مثل جامعة الخرطوم، والنيلين، وجامعة السودان. وزاد عبد المنان بقوله إن التجار الذين عادوا بحماس دفاق إلى شوارع مثل الدكاترة والحرية، يغادرون المنطقة الآن بسبب انعدام الخدمات الأساسية (الكهرباء والماء)، مؤكداً بذلك نهاية حقبة مهمة من الحياة المدنية في العاصمة) .
والوالي في رأيي ليس رجلاً شجاعاً، لأنه لم يقل كلمته هذه عندما انطلقت الدعوات الزائفة للعودة إلى الخرطوم، وظل يمارس الكذب على المواطن لأكثر من عام ويدعو المواطنين إلى العودة استجابةً لدعوات الحكومة التي سخرت طاقاتها وإعلامها لإقناع الناس وإيهامهم ليعودوا إلى الخرطوم. وعندما حذرنا من العودة إلى العاصمة وعدم الاستجابة لهذه الدعوات، هاجت الحكومة وإعلامها واعتبرته تحريضاً واضحاً للمواطنين.
والغريب أن الإعلام الكاذب المضلل، عندما خرجت قيادات مدنية وحذرت المواطنين من خطر العودة، وصفهم بالدخلاء الذين لا علاقة لهم بالسودان، وكأنما الوطن أصبح أرضاً يملكها تسعة إخوة قرر فيهم الظالم حرمان إخوته من الميراث!!
وبما أن الحديث الآن لوالي الخرطوم، فبماذا يصفه الإعلام الضلالي، وهو القابع في الخرطوم منذ بداية الحرب ويمثل رئيس حكومتها ولا أحد أدرى منه
فالرجل بعد أن أطلق دعواته للعودة، الآن يطلق دعوات المغادرة بطريقة غير مباشرة.
ويبقى هذا الاعتراف شجاعاً وصريحاً إذا أقر والي الخرطوم بجريمته التي ارتكبها في حق المواطنين، فهناك كثير من الأرواح زهقت بعد دعوات العودة للعاصمة، فبعد ما عادت قتلت حمى الضنك مئات المواطنين، ومات الناس بنقص الدواء والعلاج.
لذلك فإن القرار الشجاع هو أن يقرن والي الخرطوم هذه الحقيقة التي أعلنها بإقراره بالخطأ الذي ارتكبه في حق المواطنين وأصحاب المحال التجارية، خاصة في شارع الحرية، الذين عادوا إلى الخرطوم تلبيةً لدعوة الحكومة الكاذبة.فالحكومة استخدمت المواطن واستغفلته لتمرير أجندتها السياسية، فهي ترى أن عودة المواطن تظهرها أمام العالم أنها منتصرة، دحرت الدعم السريع وحررت العاصمة. ولكن لأنها حرب “المئةكذبة”، سيكتشف يومياً المواطن أنه يُستخدم كطُعم لخوض الحرب وللاستمرار فيها، ويُستخدم حتى عندما تعود المدن آمنة!!
ففي يونيو تحديداً جاء على لسان والي الخرطوم أنه يدعو كل المؤسسات الحكومية والخاصة بالولاية والمواطنين والملاك للعودة إلى مقارهم ومنازلهم وعقاراتهم والعمل على تأمينها ونظافتها. وأشار الوالي في تعميم صحفي إلى أهمية التواجد لحماية الممتلكات من السرقات، مؤكداً انتشار الأجهزة الأمنية وحرصها على منع العصابات المتفلتة. وأكد والي الخرطوم استمرار الجهود لإعادة الخدمات وتشغيل محطات المياه لتشجيع العودة.
وبعدها بشهر واحد جدد والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة دعوته للمواطنين بالعودة للعاصمة والمساهمة في استعادة ملامح الحياة، مشيراً إلى أن الجهود الحكومية والأهلية تسير بوتيرة متصاعدة لإعادة الخدمات وتأهيل البنية التحتية التي تضررت جراء الحرب، على الرغم من حجم التحديات التقنية والتمويلية.
ويلاحظ القارئ أن الوالي تحدث في دعوته للعودة عن استمرار الجهود لإعادة الخدمات من قبل حكومة الولاية، ولكن ماذا قال الآن؟ (إن على أي صاحب فندق أو نشاط تجاري يريد استئناف العمل أن “يتحمل الكهرباء والمياه والصرف الصحي بنفسه”)!!ولطالما أن المواطن يموت في الحرب وينزح ويُشرّد ويجوع ويمرض، ولو كتب الله له الحياة يعود إلى منزله ليكون مسؤولاً عن الكهرباء والماء والصرف الصحي، ومعها تكاليف معيشته وربما إيجاره، إذن ما قيمة وجود الحكومة!!
ألم نقل إنها حكومة الألم التي لا أمل فيها!!
وعلى ذكر الحكومة، ففي 19 يوليو تعهّد رئيس مجلس الوزراء بإعادة تأهيل العاصمة الخرطوم بالكامل خلال ستة أشهر، مضت منها خمسة أشهر. فأين وصلت الآن الخطة التنفيذية لرئيس الوزراء؟ فمرور خمسة أشهر والوالي يتحدث عن لا أمل في عودة الكهرباء ولا المياه لولاية الخرطوم، فهذا يعني أن رئيس الوزراء وحكومته لا يملكون من خطتهم سوى هذا التصريح الذي نتحدث عنه الآن.
وما يحدث يبين للمواطن أن حكومته كانت تدعوه للعودة دون خطة ودراسة وبلا مقدرة حتى على توفير أبسط مقومات الحياة.
والكذبة وأخواتها كلها سببها أن الحكومة في شهور سابقة اعتمدت على دعاية الحرب القائمة على الكذب والتضليل والتجهيل في تصوير الأشياء بعدسة الزيف. لذلك فإن الأيام القادمة ستقف الحكومة لتواجه كذباتها واحدة تلو الأخرى. ولا شجاعة للوالي ولا صراحة، فالرجل فقط بهذا التصريح أثبت أنه كان يكذب.
فمثل هؤلاء المسؤولين في دول أخرى تتم معاقبتهم من قبل البرلمان وربما سجنهم فقط لأنهم كذبوا على المواطن. أما في الحالة السودانية، فهؤلاء ارتكبوا جرماً أكبر من ذلك لأنهم أعادوا المواطن إلى مربع الموت بوعود وخطط مغشوشة.
فهذه ليست شجاعة تصريح، هذه بشاعة تصريح!!.
طيف أخير:
#لا_للحرب
#SaveSudan
عشرون عاماً حكم بالسجن على كوشيب تؤكد أن العدالة الدولية ستلاحق كل المجرمين الذين ارتكبوا جرائم في حق هذا الشعب، الأمر الذي لا يسقط بالتقادم ولا مجال فيه للإفلات، وإن طالت السنوات.



