الأعمدة

سقوط هجليج بلا قتال: الزلزال الإستراتيجي في حرب السودان

مجاهد بشري
يمثل التطور الميداني الأخير المتمثل في سيطرة قوات الدعم السريع على منطقة هجليج في ولاية غرب كردفان تحولاً استراتيجياً عميقاً في مسار الصراع السوداني، يمكن وصفه بـ “الزلزال الاستراتيجي”. لم يكن هذا السقوط ناتجاً عن معركة تقليدية ضارية للسيطرة على الأرض، وهو ما يُشار إليه بـ “السقوط بلا قتال”، بل كان حصيلة انهيار عسكري ولوجستي تراكمي للقوات المسلحة السودانية (SAF) في الإقليم. لقد تم تمهيد هذا الحدث الاستراتيجي عبر سلسلة من الهزائم المتتالية، أبرزها خسارة مقر الفرقة 22 مشاة في بابنوسة.
إن الأهمية الاستراتيجية لهجليج لا تكمن في إنتاجها النفطي الحالي الذي توقف، بل في دورها كمركز حيوي لمعالجة وتجميع ونقل النفط الخام، خاصة نفط دولة جنوب السودان المتجه للتصدير عبر ميناء بورتسودان. هذا الحدث يعكس تحولاً نوعياً في تكتيكات قوات الدعم السريع، حيث أصبح الهدف هو شل الاقتصاد لحكومة بورتسودان، مما يحرمها من شريان العملة الصعبة اللازم لاستمرار المجهود الحربي.
النتائج الاستراتيجية الرئيسية
تؤدي هذه السيطرة إلى تداعيات سريعة وبعيدة المدى على المستويات الداخلية والإقليمية. تشير البيانات إلى أن التزامن بين الانهيار العسكري في بابنوسة والهجمات على البنية التحتية النفطية كان متعمداً وله دلالات استراتيجية واضحة. إن وصول القوات المنسحبة والمنهكة من بابنوسة إلى هجليج جعل الدفاع عن المنشآت الهشة أمراً شبه مستحيل، خاصة مع الاستهداف المستمر من الطائرات المسيرة. وعليه، فإن قرار الانسحاب أو الإغلاق (القوة القاهرة) كان خياراً اضطرارياً لحماية الأرواح بدلا عن تقديم الأرواح في معركة لا يوفر فيها الجيش الإمداد، او يملك المقدرة على انقاذ جنوده.
تبرز ثلاث نتائج استراتيجية رئيسية لهذا التطور:
الخنق الاقتصادي للجيش: توقف إيرادات عبور النفط يُعد ضربة قاصمة لقدرة الجيش السوداني على تمويل وارداته العسكرية والسلعية.
تآكل شرعية بورتسودان: يضعف فقدان السيطرة على هذا الأصل السيادي الحيوي سردية القوات المسلحة (التي يقودها البرهان) بوصفها “الدولة” في مواجهة “المليشيا”.
التهديد الإقليمي المباشر: يدخل جنوب السودان كطرف متضرر في الأزمة بسبب التوقف الكامل لتدفق نفطه الذي يمول 85% من ميزانيته، مما يهدد استقراره الاقتصادي ويدفعه للتحرك.
سقوط بابنوسة: الضربة القاصمة للجيش في الإقليم
كانت مدينة بابنوسة تشكل مركزاً ثقيلاً للجيش السوداني في غرب كردفان، حيث تقع فيها الفرقة 22 مشاة، وتعتبر آخر معقل عسكري كبير للجيش في هذا الإقليم المتاخم لدارفور. شهدت المدينة حصاراً وهجمات متواصلة منذ أبريل 2024. على الرغم من نفي الجيش السوداني سقوط فرقته، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة على مقر الفرقة 22، وأكدت شهادات مستقلة وفيديوهات تلك السيطرة.
أفادت تقارير محلية عن انسحاب قوة كبيرة من الجيش، شملت قادة الفرقة 22 (العميد حسين درمود)، متجهين إلى منطقة هجليج. ويشير تحليل هذا التحرك إلى أن هجليج، التي تبعد نحو 256 كيلومتراً جنوب شرق بابنوسة ، كانت هي النقطة اللوجستية الأخيرة للجيش في الإقليم. سلكت القوات المنسحبة مسارات واضحة دون ان تلاحقها عناصر الدعم السريع التي كانت تتجمع في بابنوسة ، مما يؤكد أن الانسحاب كان مخططاً لتفادي الهزيمة الكاملة، ولكنه نقل عبء الدفاع إلى هجليج المنهكة أصلاً.
عقيدة الدعم السريع في عدم الملاحقة المحسوبة والإشارات الاستراتيجية
قوات الدعم السريع سمحت بالانسحاب الآمن لما يقرب من 14,000 جندي من الفرقة 22 باتجاه هجليج ومن ثم إلى جنوب السودان دون التعرض لهجوم أو ملاحقة وتؤكد التقارير الواردة هذه الملاحظة، حيث وصلت القوة المنسحبة بالفعل إلى هجليج بعد أن سلكت مسارات وُصفت بأنها “خالية من عناصر الدعم السريع” الذين كانوا متجمعين بالكامل في مدينة بابنوسة وقيادة الفرقة.
يشكل غياب الاعتراض العسكري الصارم والملاحقة النشطة للقوات المنهزمة استراتيجية عسكرية ذات دلالات عميقة، تتجاوز مجرد الامتناع التكتيكي. يمكن تحليل هذا السلوك على أساس أنه قرار يحكمه مبدأ كفاءة الموارد العسكرية مقابل تحقيق الأهداف التكتيكية. لم يكن الهدف الفوري لقوات الدعم السريع هو إبادة القوات المنسحبة، بل كان تأمين القاعدة العسكرية والمناطق الاستراتيجية التي تم الاستيلاء عليها (مثل مقر بابنوسة). كان الانخراط في مطاردة طويلة وذات خسائر محتملة سيتطلب تكلفة باهظة من حيث الوقود والذخيرة والوقت، مما قد يعرض قوات الدعم السريع لضغط أكبر.
بالسماح لهذه القوات بالانسحاب والتفكك، حققت قوات الدعم السريع هدفين استراتيجيين دون إطلاق رصاصة: أولاً، حافظت على قدرتها القتالية ووجهتها نحو مناطق أخرى ذات أولوية. ثانيًا، ساهمت بشكل فعال في تفتيت وانهيار الروح المعنوية للقوات المسلحة. إن ترك الطريق مفتوحاً يبعث برسالة قوية وضمنية إلى بقية وحدات الجيش المحاصرة أو المنهارة مفادها أن النجاة ممكنة من خلال التراجع أو التخلي عن القتال، مما يسرّع من ظاهرة “الاستنزاف الاستراتيجي” حيث تختار الوحدات حفظ الذات على حساب الولاء للقيادة المركزية.
لم تسقط هجليج نتيجة اقتحام بري تقليدي كبير، بل نتيجة ضعف دفاعات الجيش المستمدة من انهيار خطوطه الأمامية في بابنوسة والتهديد الجوي المستمر. إن وصول القوات المنسحبة من بابنوسة زاد العبء اللوجستي على رئاسة اللواء 90 في هجليج، مما جعلها عرضة للانهيار السريع.
يتمثل العامل الحاسم في دخول تكتيك الحرب الجوية الاقتصادية حيز التنفيذ. تزامن الوجود الهش للجيش في هجليج مع استهداف قوات الدعم السريع المتزايد لها بالطائرات المسيرة. هذا الاستهداف أدى إلى إعلان حالة القوة القاهرة وإغلاق الحقل ، مما جعل أي دفاع مستميت لا قيمة له. فقد أدرك الجيش أن لن ترسل اي نجدة، لذا كان “السقوط بلا قتال” في الواقع قراراً استراتيجياً للإخلاء بعد أن تم شل منطقة الدفاع الرئيسية وهزيمتها اقتصادياً وعسكرياً بشكل مسبق. هذا التطور يشير إلى تحول غرب كردفان من إقليم عسكري إلى منطقة اقتصادية عسكرية، حيث يهدف الدعم السريع إلى شل البرهان مالياً.
تموضع الدعم السريع وتأمين الممرات الإقليمية
بسيطرة قوات الدعم السريع على غرب كردفان، تكون القوة قد أحكمت قبضتها على الشريط الغربي بالكامل. هذا الترسخ يخدم استراتيجيتها في بناء “قاعدة اقتصادية وعسكرية موازية” عبر السيطرة على الممرات الحدودية الحيوية.
تُعد هجليج نقطة ارتكاز استراتيجية مهمة للغاية، ليس فقط لقطع التمويل عن الجيش السوداني ، ولكن أيضاً لتعزيز العمق اللوجستي لقوات الدعم السريع. يعزز هذا التقدم سيطرة القوة على الممر الغربي الذي يربط مناطق سيطرتها في دارفور، وتحديداً عبر أم دخن، بجمهورية تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى. كما يمكن توظيف المواقع المرتفعة في هجليج كـ “منصات متقدمة” لإطلاق الطائرات المسيرة (UAVs) ونصب أجهزة التشويش والتصنت ضد المناطق التي ما زالت تحت سيطرة الجيش السوداني في الشمال والشرق، مما يمنحها ميزة في الحرب الإلكترونية، على غرار ما حدث في معارك سابقة.
تُعد هجليج مركز الثقل في شبكة نقل النفط الإقليمية. الحقل نفسه ينتج نحو 20 ألف برميل من النفط السوداني يومياً ، بينما كانت الخرطوم تخطط لرفع الإنتاج سابقاً إلى 80 ألف برميل يومياً.
الأهمية القصوى للمنطقة هي دورها كـ “محطة معالجة مركزية” تستقبل 130 ألف برميل يومياً من نفط دولة جنوب السودانهذا النفط يتم تجميعه ومعالجته في هجليج، حيث توجد خزانات وقود تزيد سعتها عن 400 ألف برميل، ومن ثم يُضخ عبر خطوط الأنابيب إلى موانئ التصدير في بورتسودان. هذا الارتباط اللوجستي يربط اقتصاد السودان وجنوب السودان بمركز واحد، مما يجعل تعطيله ضربة مزدوجة الأثر.
الرافد المالي الحيوي: رسوم العبور (Transit Fees)
شكلت رسوم عبور نفط جنوب السودان، منذ انفصال الدولة الوليدة، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة (النقد الأجنبي) في السودان. تعتمد حكومة بورتسودان بشكل حاسم على هذه الإيرادات لتمويل وارداتها.
تدفع حكومة جنوب السودان للخرطوم نحو 24.5 دولار لعبور البرميل الواحد واستخدام المنشآت السودانية، متضمنة رسوم النقل والترتيبات الانتقالية. هذه الإيرادات كانت ضرورية لتمويل المجهود الحربي للجيش السوداني. وبما أن توقف العمليات في هجليج أدى إلى توقف ضخ النفط الجنوبي بالكامل، فإن هذا يعني تجفيفاً فورياً لهذا الرافد المالي الحيوي، مما يهدد استدامة سلطة بورتسودان التي تصرف على عشرات المليشيات.
الزلزال الاستراتيجي: تداعيات السقوط على مسار الحرب
الانهيار المالي لحكومة بورتسودان وتمويل الجيش
تعد الخسارة المالية لهجليج هي الأثر الاستراتيجي الأبرز. شكلت إيرادات عبور النفط دعامة ميزانية السودان ومصدر النقد الأجنبي لتمويل المشتريات العسكرية. توقف هذه الإيرادات يزيد من الضغط المالي بشكل كبير، وسيعمق الأزمة الاقتصادية التي ظهرت آثارها سابقاً في هبوط قيمة الجنيه السوداني مع كل تطور سلبي في قطاع النفط.
هذا الوضع يفرض على الجيش السوداني البحث عن مصادر تمويل بديلة، مما يزيد من اعتماده على الدعم الخارجي أو استغلال الموارد المتبقية . إن توجيه الدعم السريع ضربة حاسمة إلى الشريان المالي لحكومة بورتسودان يغير قواعد اللعبة، حيث يتحول الصراع من استنزاف عسكري إلى سباق على نضوب الموارد.
تآكل سردية “الدولة ضد المليشيا”
يرتكز الخطاب الرسمي للقوات المسلحة، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على ضرورة تفكيك “المليشيا الإرهابية” وإعادة صياغة الدولة وفق أسس صحيحة. هذا الخطاب يعتمد على قدرة الجيش على حماية أصول الدولة ومؤسساتها السيادية.
لكن السيطرة على هجليج، التي تُعتبر أهم منشأة نفطية على الإطلاق ومركزاً لإيرادات العبور، يمثل ضربة قوية لمفهوم “السيادة” و”السيطرة على الدولة”. عندما يعجز الجيش عن حماية أصل اقتصادي بهذه الأهمية، فإن ذلك يضعف مصداقيته أمام الرأي العام والمجتمع الدولي، ويقوض سرديته عن كونه الممثل الوحيد للدولة السودانية، مما يمنح قوات الدعم السريع نفوذاً أكبر كلاعب مسيطر على الأرض.
يشكل توقف الضخ النفطي عبر هجليج أزمة وجودية لحكومة جنوب السودان، حيث يعتمد اقتصادها على عائدات النفط بنسبة 85%. هذا الشلل المالي يدفع جوبا إلى معضلة جيوسياسية خطيرة.
الحكومة السودانية أبلغت جوبا بوقف النقل، مما يجبر جنوب السودان على اتخاذ إجراءات فورية. قد تضطر جوبا إلى البحث بشكل جدي عن خيارات تصدير بديلة مكلفة، مثل الممرات عبر كينيا أو إثيوبيا. والأكثر أهمية هو الضغط الذي قد يدفعها للتفاوض المباشر مع حكومة تأسيس التي باتت تسيطر على الممر، وهو ما قد يمنح تأسيس اعترافاً ضمنياً على المستوى الإقليمي في محاولة لضمان استئناف التدفق النفطي.
هجليج كعقدة هجومية في العمق (Forward Operating Node)
تمنح السيطرة على هجليج قوات الدعم السريع قاعدة متقدمة لشن عملياتها الاستراتيجية. يمكن استخدام هذه المنطقة المفتوحة لتكون منصة لإطلاق الطائرات المسيرة نحو أهداف أعمق في الشمال والشرق، بما في ذلك المناطق التي كانت تعتبر آمنة تحت سيطرة الجيش السوداني. هذا التموضع يعزز القدرة على ضرب مناطق الإمداد والمنشآت المتبقية، كما حدث في مناطق أخرى كما يمكن استغلال المنشآت لنصب أجهزة التشويش والتصنت، مما يعزز تفوق الدعم السريع في تكتيكات الحرب غير المتكافئة.
يمثل سقوط هجليج نتيجة الانهيار اللوجستي والعسكري الذي بدأ في بابنوسة، وتم تعجيله بتكتيكات الحرب الاقتصادية القائمة على الطائرات المسيرة. هذا الحدث لم يكن مجرد انتصار ميداني للدعم السريع، بل هو ضربة موجعة للعمود الفقري الاقتصادي للجيش السوداني، مما يهدد استدامته المالية ويزيد من تآكل شرعيته. كما أن الأزمة تشير إلى تصاعد كبير في المخاطر الجيوسياسية الإقليمية، خاصةً فيما يتعلق باستقرار جنوب السودان.
#لاللحرب قولاً واحدا.

زر الذهاب إلى الأعلى