الأعمدة

لم تعد الحرب في السودان، بعد مرور أكثر من عامين و ثمانية اشهر على اندلاعها، صراعاً تقليدياً بين جيش نظامي وقوة شبه عسكرية منافسة.

مجاهد بشري
لقد تحولت المعركة بشكل جذري منذ منتصف عام 2023 إلى “حرب موارد بامتياز”. هذا التحول الاستراتيجي يُملي قواعد اللعبة الجديدة: من يسيطر على خزائن الذهب والنفط والتمويل الخارجي يملك القدرة على الاستمرار في القتال والتفاوض.
إن المعارك الكبرى لم تعد تُحسم في قلب العاصمة الخرطوم أو أزقة مدني، بل تدور رحاها الآن في الحقول النفطية ومناطق التعدين ومراكز التحويل المالي. ومن هذا المنطلق، يمثل سقوط حقل هجليج النفطي في قبضة قوات الدعم السريع نقطة تحول فاصلة، حيث أنه يمثل أول اختراق حقيقي للعمود الفقري المالي لحكومة بورتسودان.
المناورة التكتيكية للجيش: إبعاد الخطر عن الشريان المالي
في الثالث من ديسمبر 2023، ألقى الفريق أول عبد الفتاح البرهان خطاباً من مدني عاصمة ولاية الجزيرة، معلناً عن “تجهيز 40 ألف مستنفر لتحرير الخرطوم”. إلا أن المسار الميداني اللاحق لم يشهد عملية تحرير واسعة النطاق، بل أدّى إلى سقوط مدني بيد الدعم السريع عقب انسحاب مفاجئ للجيش منها. هذا التباين يكشف أن الهدف الاستراتيجي لم يكن بالضرورة عسكرياً هجومياً، بقدر ما كان مناورة لـ: جرّ قوات الدعم السريع نحو ولاية الجزيرة: وهي منطقة منخفضة القدرة الدفاعية، ما ساهم في استنزاف قدراتها على جبهة مفتوحة بعيدة عن خطوط إمدادها الرئيسية.
إبعاد التهديد الاستراتيجي: تمكين محور البحر الأحمر- الشمالية- نهر النيل، وهو الشريان الحيوي الغني بمناطق تعدين الذهب، من البقاء بعيداً عن الاشتباكات الكبرى، وبالتالي حماية ما تبقى من مصادر التمويل العسكري.
لقد نجح الجيش جزئياً في إبقاء محور التمويل الاستراتيجي آمناً لعدة أشهر، لكن هذا النجاح كان تكتيكياً ومؤقتاً، حيث سمح للدعم السريع بإعادة قراءة الخريطة الواقعية للحرب.
التحول إلى “القتال الذكي”: تجميد مصادر الدخل
مع استمرار الصراع، أدركت قيادة الدعم السريع أن التمويل هو العنصر الحاسم الذي يبقي معسكر بورتسودان متماسكاً. فبالرغم من العقوبات والضغوط، ما يزال الجيش قادراً على:
تجنيد المليشيات الرديفة: تمويل وصرف الرواتب لأكثر من 50 مليشيا مسلحة تعمل خارج المظلة النظامية.
استيراد الأسلحة والمسيرات: الحفاظ على وتيرة استيراد الإمدادات العسكرية الأساسية.
إدارة الآلة الإعلامية واللوجستية: تغطية التكاليف التشغيلية والإعلامية التي تبقي على الروح المعنوية والتحالفات.
إن كل هذه الآلة الحربية والإعلامية تُدار بشكل رئيسي بأموال البترول والذهب. هذا الواقع دفع الدعم السريع إلى التخلي عن فكرة الحسم الميداني المباشر الذي يتطلب جهداً بشرياً ومادياً هائلاً، والتحول نحو “القتال الذكي” أو الحرب الاقتصادية.
الاستنتاج الاستراتيجي كان واضحاً: الحسم العسكري المباشر مستحيل ما دام التمويل مفتوحاً. لذلك، أصبحت الأولوية هي تعطيل الدخل بدل مطاردة الوحدات العسكرية، وهو ما يفسر استهداف هجليج.
سقوط هجليج: الخسارة الأضخم في الميزانية السودانية
لا يُعد حقل هجليج مجرد حقل نفطي، بل هو عقدة استراتيجية ذات أبعاد سيادية واقتصادية مشتركة، فهو نقطة معالجة وضخ مركزية، تربط شبكة النفط بين السودان وجنوب السودان، ويمثل مصدراً مباشراً وسريعاً للنقد الأجنبي لحكومة بورتسودان.
مصدر الخسارة المباشرة
التفاصيل والأرقام التقديرية (سنوياً)
إنتاج السودان الذاتي
يعتمد السودان بالكامل تقريباً على نفط هجليج لإنتاجه البالغ 10,000 – 20,000 برميل يومياً (متوسط 15,000 برميل).
بتقدير $75$ دولاراً للبرميل، فإن الخسارة السنوية تقترب من $410$ مليون دولار.
رسوم عبور نفط جنوب السودان
يعتمد جنوب السودان على خط الأنابيب المار عبر منشأة هجليج لتصدير نحو 150,000 برميل يومياً عبر بورتسودان.
تحصل حكومة السودان على رسوم متفق عليها (عبور، معالجة، رسوم سيادية) تقدر بنحو $25$ دولاراً للبرميل.
الإيراد السنوي المفقود من هذه الرسوم يصل إلى $1.35$ مليار دولار.
الإجمالي التقريبي للخسائر السنوية المباشرة:
يبلغ مجموع الخسائر التقديرية لحكومة بورتسودان من فقدان هجليج نحو 1.76 مليار دولار سنويًا.
هذا المبلغ الضخم يمثل ضربة قاصمة لأي ميزانية حرب، إذ يفوق غالباً قيمة الدعم الخارجي المتاح حالياً وكافة الجبايات الداخلية الممكن تحصيلها وسط اقتصاد منهار.
الذهب: آخر شريان مالي والهدف التالي
في ظل توقف النفط، يصبح قطاع الذهب هو الشريان الحيوي الأخير والوحيد الذي يبقي على استمرار معسكر بورتسودان.
حجم التمويل: بلغت صادرات الذهب السوداني المعلنة نحو 1.5 مليار دولار في عام واحد (هذا بعيداً عن حجم الذهب المهرّب خارج الإحصاءات الرسمية).
الشبكة المستفيدة: هذا القطاع لا تديره مؤسسات رسمية بحتة، بل شبكة سياسية-أمنية معقدة تضم وزارات (كالمعادن والمالية)، وشركات تعدين حكومية وشبه خاصة، وأجهزة استخباراتية. هذه المنظومة هي التي تضمن استمرارية التحالفات الحالية، وتفسر تمسك الحركات المسلحة والكتل السياسية (كالإسلاميين) بالبرهان.
الأبعاد السياسية لفقدان الموارد
إن السيطرة على النفط والذهب هي التي تجيب عن السؤال الأكبر: لماذا يمتنع معسكر بورتسودان عن القبول بأي حلول مفضية لإيقاف الحرب وعودة الحكم المدني؟
السبب بسيط: المال يمنحهم القوة والشرعية داخل تحالفهم. طالما بقيت خزائن الذهب والنفط تحت سيطرتهم، فإنهم يملكون القدرة على:
دفع ثمن الرواتب: إبقاء المليشيات الرديفة في حالة تعبئة.
استمرار النفوذ: توزيع عائدات الموارد على الحلفاء والقيادات، مما يضمن ولائهم.
استهداف الذهب: كسر العمود الفقري
إن صحّت المعلومات الاستخباراتية حول أن الدعم السريع يستعد لضرب مناطق التعدين في ولاية نهر النيل تحديداً، فنحن أمام مرحلة كسر العمود الفقري المالي لمعسكر بورتسودان. وهذا التكتيك يُحقق هدفاً مزدوجاً: تفكيك المعسكر بأقل جهد عسكري ممكن.
النتائج المتوقعة لضرب الذهب:
توقف فوري لدفع الرواتب للمليشيات، مما يؤدي إلى تفككها الذاتي وعزوف الحواضن الاجتماعية المقاتلة.
انهيار قدرة الجيش على شراء الوقود والذخيرة وتغطية التكاليف اللوجستية.
تآكل النفوذ السياسي المالي لحلفاء البرهان، وانهيار شامل للمنظومة القتالية.
التضليل الإعلامي: ستار دخاني اقتصادي
تخدم الدعاية المستمرة التي يروج لها معسكر بورتسودان عن “الهجوم الوشيك على الدلنج وكادوقلي والنيل الأزرق” هدفاً واحداً: تشتيت تركيز الدعم السريع وإبعاده عن الهدفين الاستراتيجيين الحقيقيين: الذهب والنفط. هذه الجبهات الوهمية أو الثانوية لا تشكل تهديداً استراتيجياً حقيقياً، بل هي مجرد ستار دخاني لتغطية الهشاشة التي تعاني منها الجبهة الاقتصادية للجيش.
التحول النهائي نحو الحسم المالي
ما نشهده في السودان هو التحول النهائي في طبيعة الصراع: لم يعد الانتصار يقاس بتقدم الدبابات والتحشيد الجماهيري، بل بانهيار تدفقات الأموال التي تمول الحرب.
سقوط هجليج أثبت أن الدعم السريع بات يتبع استراتيجية “تفريغ الخزانة قبل تدمير الثكنة”. خسارة إيرادات تُقدر بـ 1.76 مليار دولار سنوياً هي إعلان واضح بأن قدرة البرهان على دفع ثمن الرصاصة بدأت تتآكل. وإذا لحقت ضربات قاضية بقطاع الذهب، فسيكون ذلك بمثابة انهيار مشروع عسكرة الدولة، مما يفتح نافذة حتمية وقسرية لتسوية سياسية شاملة تكون فيها حكومة بورتسودان في أضعف مواقفها التفاوضية.

زر الذهاب إلى الأعلى