✍️محمد الفاتح حضرة
🧐🫵هناك مشهد طويل يمتد منذ انقلاب ١٩٨٩م حتى حرب اليوم؛ مشهد تتكرر فيه الوجوه، وتتبدل فيه الشعارات، لكن الجوهر يبقى كما هو:
🫧💢حركة سياسية – عسكرية لا ترى نفسها جزءاً من السودان، بل ترى السودان جزءاً من خطتها للبقاء
ولو عدنا إلى البدايات لوجدنا أن جماعة الحركة الإسلامية والموتمر الوطني قضوا ثلاثة عقود يبنون نظاماً مغلقاً على ذاته، لا يتردد في رفع راية العقيدة حين يخدم ذلك السلطة، ولا يجد حرجاً في إسقاط تلك الراية حين تقف في طريقها
فهم الذين اعتبروا الحزب الشيوعي السوداني «عدواً عقائدياً» يجب محاربته بلا هوادة، لكنهم في الوقت نفسه تعاونوا بلا تردد مع روسيا والصين، وهما دولتان قام نظامهما السياسي على الفكر الماركسي نفسه الذي ظلوا يشيطنونه في الداخل
من ناحية يصفون الشيوعيين بأنهم «خطر على الإسلام»، ومن ناحية أخرى يوقعون الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية مع الورثة الرسميين للماركسية
فليس العقيدة هي المعيار
بل المصلحة التي تحفظ الحكم وتُبقي الخيوط في أيديهم
وهذا التناقض ليس حادثة، بل سمة ثابتة
فالذين اتهموا قوى الثورة، وقيادات الحرية والتغيير، وشباب ديسمبر، بأنهم «عملاء للغرب وأمريكا»، هم أنفسهم الذين سعوا بلا توقف إلى كسب رضا الولايات المتحدة، وحتى المضي في التطبيع مع إسرائيل أملاً في الحصول على الشرعية والحماية
وهؤلاء أنفسهم كانوا مستعدين — في أكثر من محطة — لمنح روسيا قاعدة بحرية على البحر الأحمر، رغم أن خطابهم الداخلي ظل يرفع شعار العداء للغرب ودعاوى «السيادة» التي لا تصمد أمام أول اتفاق سري أو مكسب سياسي
بل إن المشهد يصبح أكثر وضوحاً حين نتذكر عمر البشير نفسه
ذلك الذي ظل لسنوات يردد أن «أمريكا وروسيا قد دنا عذابها!!»، وأن الشيوعيين خطر وجودي على الدولة
لكن حين ضاق عليه الخناق، ذهب إلى روسيا علناً يطلب من الرئيس بوتين «الحماية من أمريكا»
نسي الشعارات التي ظل يرددها ثلاثين عاماً
ونسي الجماهير التي أوهمها بأن العالم كله تحت قدميه
لأن الحقيقة أبسط من كل ذلك:
الشعارات كانت للداخل… أما الخيارات الحقيقية فكانت دائماً للبقاء
وحين ورث البرهان هذا الإرث، لم يكن بحاجة لابتكار فلسفة جديدة
فقد وجد أمامه وصفة الإنقاذ نفسها:
إدارة السلطة بالخوف، وتوزيع الولاءات على مراكز القوة، وصياغة علاقة ملتبسة مع العالم تقوم على البيع والشراء لا على المبادئ
ولذلك رأينا كل تناقضات الإنقاذ تعود بصورة أكثر وضوحاً اليوم
من «عداء الغرب» الذي يرافقه تواصل مكثف مع سفرائه
إلى «عداء الشيوعية» الذي يرافقه تعاون فني وأمني مع موسكو وبكين
إلى «عداء إسرائيل» الذي يختفي خلف قنوات اتصال مباشرة
إلى «عداء التطبيع» الذي يتحول في لحظة إلى ورقة للتفاوض
ومن الحديث عن إعلان الامارات دولة عدوة للسودان ،الي تصدير كل الذهب السوداني اليها سراً وعلانيةً !!!
دولة الإمارات..
يهاجمونها ويسمونها «دويلة الشر»، ويعلنونها عدوة السودان، ويتهمون قوى الثورة وصمود بأنها تتلقى الدعم منها، وأنها السبب في إشعال الحرب و وووو..
لكنك علي أرض الواقع تكشف التناقض الصارخ: البرهان وحكومته ، تقريباً كل معاملاتهم التجارية، استيراداً وتصديراً، تقوم أساساً مع دولة الإمارات أو عبرها ، ولم يتوقفوا عن تصدير وتهريب الذهب إليها، بينما تجدهم دون حرج يواصلون الاتهامات ضد دولة الامارات..
هنا يظهر الوجه الحقيقي لازدواجية المعايير: الشعب هو العدوّ، أما الخارج فهو الصديق ما دام ذلك يخدم مصالحهم السلطوية !!!
🧐في قلب هذا المشهد العبثي تتكشف المفارقة الكبرى:
هؤلاء الذين لا يجدون بأساً في التعامل مع روسيا والصين وإيران، وفي السعي لرضا واشنطن وتل أبيب، هم أنفسهم الذين يرفضون الجلوس مع أبناء وطنهم من قوى الثورة والقوى المدنية
يرفضون وقف الحرب
يرفضون التفاوض
يرفضون الحل السياسي
لأن القوى المدنية لا تمنحهم حصانة
ولا توفر لهم طريقاً للهروب من العدالة
ولا تسمح لهم بإعادة إنتاج دولة التمكين التي عاشوا في ظلها ثلاثة عقود
ولذلك يصبح كل موقف من مواقفهم قابلاً للفهم حين يوضع في موضعه الصحيح:
إنهم لا يحاربون لأجل السودان… بل لأجل ألا يحاسبهم السودان
ولا يشنّون حرباً لحماية الدولة… بل لحماية أنفسهم من سجلٍ مثقل بالدم والفساد
ولم يهربوا من هجليج إلا حين تعلق الأمر بالمال
ولم يواصلوا الحرب إلا حين تعلق الأمر بالسلطة
فهذه المنظومة — منذ يومها الأول — كانت تتحرك بدافع واحد:
الخوف من سقوط الحكم
والخوف الأكبر من لحظة الحساب
لكنّ التاريخ السوداني — بكل مراحله — يقول شيئاً آخر
يقول إنّ السلطة التي تتغذى على الخوف، وتنكر على شعبها حق الكلمة والاختلاف، وتنظر إلى الوطن كغنيمة، لا تدوم
وأنّ الحروب التي تُشعل لحماية السلطة، تنتهي دائماً إلى تقويضها
وأنّ السجل الذي حاولوا الهروب منه ثلاثين عاماً، لا يمحوه الزمن، ولا تغطيه الحرب، ولا يمنع ظهوره خطاب التخوين
في النهاية، بإذن الله ومشيئته سيبقى السودان أكبر منهم جميعاً
وستبقى ذاكرة هذا الشعب أعمق من كل محاولاتهم
وستأتي لحظة — مهما تأخرت — يتوقف فيها الخوف، ويبدأ فيها الحق
فهذا البلد الذي نجا من الاستعمار، ومن الانقلابات، ومن الحروب، لن يظل أسيراً لمشروعٍ وُلد من الخوف ويعيش على الخوف.
https://www.facebook.com/share/v/1JrCfsCEyW/



