

بقلم المؤرخ الموسوعي الاستاذ : جمال عبد الحميد
رغم الجهد الكبير الذي تقدّمه الصحافة القطرية في تغطية بطولة كأس العرب، ومن قبلها كأس العالم 2022، وسائر البطولات الرياضية التي تستضيفها الدوحة—وهو جهد يُرفع له القبعة—وبرغم التطور الهائل في الأدوات الإعلامية والمنصّات الرقمية، تبقى مجلة الصقر حالة مختلفة تمامًا؛ فهذا الاصدار الرياضي القطري المنبع، العربي القلب واللسان والهوى والنبرة، يُعد ملحمة صحفية استثنائية، وقصة مكتملة الملامح والأركان، وذاكرة جماعية حيّة، وحكاية نرويها لأبنائنا لأنها شكّلت فصلًا من تاريخنا الشخصي.
حقًا نفتقد الصقر؛ ذلك المنبر الفريد الذي لم يكن يومًا إصدار صحفي كغيره من بعض الاصدارات، بل كان رمزًا للرسالة الصادقة، وجمال اللغة، وقوة الهوية، كان صوتًا عربيًا صادقًا في ساحة الإعلام الرياضي، يحمل فكرة ناضجة، وكلمة مبدعة، وشغفًا خالصًا بالرياضة داخل أرجاء وأنحاء الوطن العربي، ليترك أثرًا خالدًا في وجدان كل متابع، ويشكل علامة فارقة في تاريخ الصحافة الرياضية العربية.
ولأني «صقراوي حتى النخاع»، فقد عشقتها منذ الصغر قبل أن بحالفني الشرف أن أكون أحد كتابها خلال إصدارها الثاني «2000 – 2007» كتبت مرارًا وتكرارًا — وسأستمر في الكتابة ما دام في العمر بقية — على مواقع التواصل الاجتماعي عن تلك المجلة الخالدة، التي شكّلت لسنوات وجهة كل عاشق للرياضة العربية والعالمية، والتي عندما توقفت عن الصدور عام 2007، تركت خلفها فراغًا يصعب ملؤه أي بديل، وجرحًا لم يزل حيًا في قلوب محبيها من المحيط إلى الخليج حتى هذه اللحظة.
حقًا نفتقد الصقر لأنها لم تكن صفحات تُقلَب، ولا أعدادًا تُحفظ في أدراج المكتب، أو أرشيف للتاريخ، كانت رحلة معرفية رافقت قراءها أينما ذهبوا، شكلت وعيهم، وفتحت أمامهم آفاقًا جديدة، كانت مدرسة للغة الراقية، ومختبرًا لإنتاج الوعي الرياضي، ومنصة تُروى عبر صفحاتها أقوى واروع الحكايات وأكثرها تأثيرًا.
كانت مجلة الصقر تخاطب القارئ بروحها قبل أن تنطق حروفها، وتنساب كلماتها الذهبية متجاوزة حدود الخبر لتبلغ جوهر الحدث، فتغوص في أعماق التفاصيل التي تمنح الرياضة أرقى معانيها، وتكشف عن بعدها الثقافي والحضاري بكل ما فيه من قوة، وحكمة وإشراق.
إننا اليوم لا نفتقد مجلة فقدت حضورها المطبعي؛ نحن نفتقد روحًا نبيلة جمعت القرّاء والكتّاب والمحررين على محبة الرياضة ورقيّ الكلمة، نفتقد ذلك الأسلوب الفريد، وتلك اللغة التي تدخل القلب بلا استئذان، وتلك الطاقة التي جعلت الصقر جزءًا من ذاكرة جيل كامل، لا فقط وسيلة إعلامية مرت في طريقه.
حقًا إننا نفتقد الصقر؛ تلك المجلة التي طالما وصفها ربانها وقائد مسيرتها وصانع مجدها وتألقها وتوهجها في سماء الصحافة الرياضية العربية، الأستاذ سعد الرميحي، بأنها توقفت نهائيًا، وأن عودتها باتت شبه مستحيلة في زمن الانفتاح الرقمي، بل قالها صريحة بإن باب عودتها «مغلق تمامًا» أو كما نقول في مصر «مقفول بالضبة والمفتاح».
ورغم كل ذلك «ربما» أكون الشخص الوحيد في العالم الذي ما زال يؤمن بأنها ستعود، وأن هذا الطائر النبيل سيحلق من جديد فوق سماء الإعلام الرياضي العربي.
كتبتُ غير مرة، وقلتها بثقة، إن الصقر ستعود، ربما بعد عقود طويلة، وربما بعد أن تواري أجسادَنا الأرض، لكني على يقين بأن لحظة العودة ستأتي، وأن الانطلاقة المرتقبة لن تكون إلا من دوحة الخير والعطاء، حيث وُلدت أسطورة الصقر، وحيث يليق بها أن تُبعث من جديد.



