

لم تكن لينكا تتوقع أن تنقلب حياتها رأساً على عقب بسبب فيلم وثائقي. هذه الطالبة السلوفاكية التي تربت في بيت لا يعرف كلمة “هدر”، كانت معتادة على زراعة الخضروات في الحديقة، وصنع المربيات من الفائض، وتحويل بقايا الطعام إلى سماد طبيعي. فكرة أن يُرمى الطعام الجيد في القمامة كانت بالنسبة لها أمراً غير معقول.
لكن عندما شاهدت لأول مرة فيلماً عن “الغوص في القمامة” في الدول الغربية، شعرت بصد*مة عميقة. أدركت أن هناك أطناناً من الطعام الصالح تُرمى يومياً بلا مبرر، فبدأت رغبتها في دراسة الإدارة البيئية تتبلور، ومعها شغف جديد: كشف حجم الهدر الذي لا يراه أحد.
انتقلت لينكا إلى الدنمارك، التي تُعرف دولياً بأنها واحدة من أكثر الدول “خضرةً” واهتماماً بالبيئة. لكن الواقع فاجأها بشدة؛ فهذه الدولة المتقدمة تُعد أيضاً من أكثر دول أوروبا التي يُمارس فيها الغوص في القمامة، بسبب الكميات الهائلة من الطعام الذي تتخلص منه المتاجر يومياً.
بل إن هناك شباباً يعيشون بالكامل على الطعام المرمى، وكأن خلف السوبرماركت عالم موازٍ من الوفرة التي لا يراها أحد.
في مدينة آرهوس، خرجت لينكا ليلاً بدراجتها، مترددة في أول خطوة نحو الحاويات خلف أحد السوبرماركت. كانت خائفة… ليس من القذارة، بل من حكم الناس. لكن عندما فتحت الغطاء، تغير كل شيء.
وجدت طعاماً طازجاً، فواكه سليمة، خبزاً دافئاً، حبوباً وألباناً غير مفتوحة… طعاماً يمكنه أن يملأ ثلاجة أسرة كاملة.
منذ تلك اللحظة — قبل سبع سنوات — لم تعد تنظر إلى القمامة بالطريقة نفسها.
اليوم، وعمرها 27 عاماً، تقول لينكا إنها لم تعد تشتري إلا بعض الأشياء البسيطة: الزيت، التوابل، الشوكولاتة، وأحياناً المشروبات. كل ما تبقى تحصل عليه من “كنوز خلف المتاجر”.
تحكي أنها في إحدى المرات وجدت أكثر من 40 ثمرة أفوكادو و30 بيضة دفعة واحدة. وفي مرات كثيرة تضطر للتعلق بحافة الحاوية بكلتا يديها لتنزل إلى القاع وتلتقط ما تبقى من طعام جيد.
فتحت لينكا حساباً على وسائل التواصل، تنشر فيه صور غنائمها: توفو بكميات كبيرة، خبز طازج، فواكه كاملة، لحوم وألبان… كلها صالحة للأكل تماماً.
وتصنع من هذه المكونات وجبات حقيقية، كالحساء الذي تحضره لشريكات السكن لتُظهر أن الطعام المرمى آمن ويمكن تحويله إلى وجبات لذيذة.
ردود فعل الناس حولها متباينة؛ البعض يشعر بالاشمئزاز، وآخرون يطلبون مرافقتها في رحلاتها الليلية!
أسلوب حياة لينكا جعلها توفر الكثير من المال، مما منحها حرية أكبر، ساعات عمل أقل، وقدرة على السفر أكثر. لكن الأهم من ذلك هو شعورها بأنها تؤدي دوراً في كشف حقيقة الهدر الصاد*م الذي لا ينتبه إليه أحد.
تجربة لينكا ليست مجرد قصة غريبة؛ إنها تذكير قا*سٍ بأن إهدار الطعام لا يرضي الله، وأن ما يُرمى بلا تفكير قد يشبع محتاجاً، أو يكفي أسرة، أو يحمِل بركة لو وُجه لمكانه الصحيح.
فالنعمة التي تُهدر… قد تُسلب.
والطعام الذي يُلقى في القمامة، قد يكون حياة لشخص آخر.



