المنوعات

عبد القادر سالم: رحيل سفير الأنغام ونسيم الوجدان السوداني”

”
كتب: المستشار/معاوية أبوالريش
في رحاب الأثير تتردد أصداء رحيل فارس من فرسان الفن السوداني الأصيل، إذ طوت صفحات القدر سِفرًا حافلًا بالعطاء والإبداع، حين غادرنا الفنان الراحل عبد القادر سالم، ذلك الصوت الشجي الذي طاف بالأغنية السودانية في أصقاع المعمورة، ناشرًا شذاها في أرجاء الدنيا قبل أن تتيح وسائل التواصل الحديثة ذلك لأحد.
منارة الفن وسفير الأنغام
لم يكن عبد القادر سالم مجرد مطرب أو ملحن عابر في مسيرة الفن السوداني، بل كان منارة شامخة أضاءت دروب الوجدان الجمعي للأمة السودانية بألحان خالدة وأغنيات محفورة في صميم الذاكرة الثقافية. لقد أثرى المكتبة الفنية السودانية بإرث موسيقي ثري، جعل من الأغنية السودانية جسرًا يعبر الحدود والثقافات، فاستحق عن جدارة واستحقاق لقب سفير الأغنية السودانية.
طاف بموسيقاه وألحانه الآسرة كل بقاع الأرض، معرّفًا العالم بعبق الفن السوداني وأصالته، ناقلًا تراث أمة عريقة بلسان موسيقي راقٍ يتجاوز حواجز اللغة والجغرافيا.
ألحان تخترق الحدود
من أبدع ما قدّمه الفقيد أغنيته الخالدة “حليوة يا بسامة الفايح نسامة، الريدة في قلوبنا الله علاّمة”، تلك الأغنية التي تجاوزت حدود السودان والوطن العربي، حتى تغنّت بها فنانة يهودية، في دليل قاطع على عالمية الفن الذي يقدّمه هذا الرجل الاستثنائي. فقد رددت ألحانه الرائعة حناجر السودانيين والعرب والعجم على حدٍّ سواء، فكانت موسيقاه لغة كونية تخاطب الأرواح قبل الآذان.
لقاء لا يُنسى في رحاب العدالة
تحتفظ الذاكرة بصورة فوتوغرافية التُقطت قبل ما لا يقل عن خمسة عشر عامًا في مجمع محاكم أبو سعد، تلك الصورة التي جمعتني بهذا العملاق الفني في لقاء عفوي مبارك. كان يرافقه شاب، لعله أحد أبنائه، وفي أجواء حميمة تجاذبنا أطراف الحديث حول مسيرته الفنية الحافلة.
وحين استفسرت منه إن كان قد استمع لأغنيته المذكورة آنفًا بصوت تلك الفنانة اليهودية، أجابني بنبرة يشوبها الفخر والاعتزاز بأنه قد استمع إليها، وكان جليًّا من حديثه مدى سعادته البالغة بأن أسهم، رفقة ثلة من الفنانين السودانيين الأفذاذ، في نشر الأغنية السودانية وإيصالها إلى آفاق بعيدة.
رجل الخُلق والفن
لم يكن عبد القادر سالم فنانًا فحسب، بل كان إنسانًا بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ سامية. عُرف عنه طيب المعشر، ورقة الخلق، وتواضع الكبار. كان مثالًا يُحتذى في الأدب والذوق الرفيع، مما جعل لقاءه تجربة ثرية لا تُنسى، تجمع بين متعة الحوار الفني وأريحية الصحبة الطيبة.
رحيل جسد وخلود إرث
اليوم، ونحن نودّع جسد هذا الفنان العظيم، نستحضر قول الحق تبارك وتعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ” لكن الموت لا يطال الإرث الخالد الذي تركه عبد القادر سالم، فألحانه ستبقى تتردد في الأفئدة، وأغانيه ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال.
رحمك الله يا سفير الأغنية السودانية رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدمته من فن راقٍ في ميزان حسناتك، وجمعنا بك في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
إنا لله وإنا إليه راجعون
الصورة المرفقة: لقاء تاريخي في مجمع محاكم أبو سعد قبل خمسة عشر عامًا، يظهر فيها الفقيد (أقصى اليمين) في لحظة من اللحظات الإنسانية الدافئة التي عُرف بها.

زر الذهاب إلى الأعلى