الأعمدة

تسع أعشار العقل في التغافل فلسفة راقية في فنّ التعامل الإنساني

بقلم: وهيب نجيب شاهين

في زمن الحساسية… هل نملك رفاهية التجاهل؟
في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتزداد فيه الضغوط، وتتشابك فيه العلاقات اليومية، تبدو بعض المواقف التافهة قادرة على إشعال خلافات كبيرة. وهنا تبرز قيمة التغافل، تلك الحكمة الخفية التي تضيء عقول الناضجين وتمنحهم راحة القلب وصفاء الذهن.
ولعل من أبلغ ما قيل في هذا السياق:
“تسع أعشار العقل في التغافل”
إنها ليست دعوة للتغابي، بل درس في الاتزان والهدوء وفن العبور بسلام عبر صغائر الحياة.
ما معنى التغافل؟
التغافل لا يعني الغفلة، ولا الضعف، ولا الجهل بما يدور.
بل هو:
• قرار ناضج يصدر عن عقل راجح
• ترفّع عن صغائر تؤذي ولا تُصلح
• صمت يعلو فوق الضجيج، لا خوفًا، بل احترامًا للنفس
التغافل ليس هروبًا من المواجهة، بل اختيار متعقّل يجنّبك المعارك الصغيرة التي تستنزف الطاقة ولا تنتج إلا الألم.
متى نمارس التغافل؟
كل يوم، تعترضنا مواقف تختبر صبرنا:
• كلمة عابرة تُفهم خطأ
• سلوك غير مقصود من قريب
• تصرّف مزعج من زميل أو جار
ليس كل ما يُقال يُستحق الرد، وليس كل نظرة تُوجب تفسيرًا.
المتغافل الذكي هو من يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يبتسم، ويمضي دون أن يحمّل قلبه ما لا يُطاق.
التغافل ليس ضعفًا
حين يتكرر الخطأ، ويتجاوز الحدود، يصبح السكوت تفريطًا.
لكن التغافل الحقيقي:
• لا يعني التنازل عن الكرامة
• ولا السكوت عن الظلم
• بل هو موقف مؤقت، يستخدمه العاقل عندما يكون السكوت أنفع من الكلام
“من يغوص في التفاصيل الصغيرة يُرهق نفسه، قبل أن يُتعب غيره.”
أثر التغافل في النفس والعلاقات
من أجمل ما يمنحه التغافل لصاحبه:
• راحة نفسية من همّ ردود الأفعال
• صفاء داخلي يقلل من التوتر والغضب
• مرونة في العلاقات تجعلها أكثر استقرارًا
• نضج في المواقف يجنّب الخلافات التافهة
فمن لا يلتفت لكل شاردة، يملك زمام نفسه ويعيش في هدوء العظماء.
الحكمة في أن تتغافل
المواقف لا تنتهي، والكلمات لا تُحصر، والأشخاص ليسوا على مستوى واحد من الفهم والنضج.
الحكيم هو من:
• يسمع الإساءة… ويتجاهل
• يرى الخطأ… ويتغاضى
• يدرك القصد… لكنه يختار السكينة على الصدام
فالتغافل ليس جهلًا، بل علمٌ في كيف ومتى ترد، أو لا ترد.
خاتمة: التغافل خلق الكبار
من يُتقن التغافل، لا يخسر الناس، ولا يُرهق نفسه.
هو شخص اختار أن يعيش بسلام، دون أن يساوم على كرامته.
فليكن شعارنا في هذه الحياة:
“تسع أعشار العقل في التغافل… والتغافل ليس ضعفًا، بل حكمة العقلاء.

زر الذهاب إلى الأعلى