لم يعد القلق المصري حيال الحرب في السودان مجرّد همس دبلوماسي أو ملاحظات عابرة في تقارير مغلقة. ما يجري اليوم يشي بانتقال القاهرة من مربع التحذير إلى مربع الإشارة الخشنة، ومن لغة النصيحة إلى لغة الردع. التلويح باتفاقية الدفاع المشترك ليس تفصيلاً بروتوكوليًا، بل رسالة محسوبة بعناية، وُجّهت إلى أكثر من عنوان في آن واحد.
منذ وقت غير قصير، تراقب القاهرة حالة الجيش السوداني بعين القلق. حربٌ طالت، واستنزافٌ تجاوز القدرة على الاحتمال، وتشظٍّ واضح في الجبهة المتحالفة مع المؤسسة العسكرية. تقارير استخبارية مقلقة تتحدث عن قفزات نوعية في مستوى تسليح قوات الدعم السريع، وعن إعداد وتدريب يؤشران إلى ما هو أبعد من معركة دفاع أو مناوشات محدودة، بل استعداد لموجة هجوم واسعة، تقودها قوة أثبتت الوقائع أنها منفلتة، غير منضبطة، ولا يمكن الركون إلى تعهداتها أو الوثوق بسلوكها السياسي والعسكري.
في المقابل، يظهر اهتراءٌ متسارع في جسد القوات المتحالفة مع الجيش. تآكل الثقة، تضارب المصالح، وملامح تمرّد كامنة، قد تطفو إلى السطح في اللحظة التي يقرر فيها عبد الفتاح البرهان الذهاب نحو خيار التفاوض وإنهاء الحرب. هذا الاحتمال، في حسابات القاهرة، لا يقل خطورة عن تقدم الدعم السريع نفسه؛ لأن انهيار التماسك من الداخل غالبًا ما يكون أسرع وأشد فتكًا من الهزيمة في الميدان.
كل ذلك يفسر لماذا رفعت مصر العصا الغليظة لأول مرة بهذه العلانية. الرسالة واضحة: انهيار الدولة السودانية، أو سقوط الجيش كعمود فقري لها، خط أحمر يمس الأمن القومي المصري مباشرة، ولا يمكن التعامل معه بسياسة الانتظار أو الرهانات الرمادية. التلويح باتفاقية الدفاع المشترك هو إعلان بأن القاهرة بدأت تضع سيناريوهات ما بعد الفشل، وأنها لن تقف متفرجة إذا انزلقت الأمور إلى فوضى شاملة تهدد الإقليم بأسره.
الأيام المقبلة ليست عادية. ما يُدار في الغرف المغلقة قد يكون أثقل بكثير مما يظهر في التصريحات العلنية. السودان يقف على حافة منعطف حاسم، والمنطقة بأكملها تحبس أنفاسها. اللهم سلّم البلاد، وابعد عنها الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#لازم_تقيف



