الأعمدة

سيدي الرئيس… كفى عبثًا بمصير وطن

بقلم : حنان خالد
سيدي رئيس مجلس السيادة،
نخاطبك اليوم لا بلغة المجاملة، ولا بنبرة الاستجداء، بل بلغة المساءلة الصريحة التي يفرضها حجم الخراب، وعدد القبور، وملايين المشردين الذين دفعوا ثمن قرارات لم يكونوا طرفًا فيها.
ما يجري في السودان اليوم ليس “تعقيدًا سياسيًا”، ولا “ظرفًا استثنائيًا”، بل فشلٌ واضح في إدارة الدولة، بدأ منذ اللحظة التي مُنحت فيها مليشيا حميدتي ثقة لا تستحقها، وسُلّمت مفاصل القوة لمن لا يؤمن بالدولة أصلًا، فكانت النتيجة حربًا التهمت الوطن وأذلّت أهله.
سيدي الرئيس،
التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى.
ومن يخطئ في تقدير الخطر مرة قد يُعذر،
أما من يُصرّ على إعادة إنتاج الخطأ،
فهو شريك في نتائجه.
لقد شاهد السودانيون بأعينهم كيف تحوّلت مليشيا إلى دولة،
وكيف سُمح لها بالتمدد،
وكيف أُغمضت الأعين عن جرائمها،
حتى استيقظنا على حربٍ لم تُبقِ ولم تذر.
سيدي الرئيس،
لا تُختزل السيادة في البروتوكولات، ولا تُقاس بعدد الزيارات الخارجية.
السيادة تُقاس بقدرتك على قول “لا” حين يجب أن تُقال،
وبقدرتك على حماية كرامة شعبك، لا على تبرير إذلاله باسم السلام.
ونقولها بوضوح لا لبس فيه:
لسنا ضد السلام،
لكننا ضد السلام الزائف،
السلام الذي يُسوّق له من عواصم بعيدة،
ويُفرض على شعبٍ لم يُستشر،
ويُدار كصفقة سياسية لا كحق إنساني.
سيدي الرئيس،
إن الرهان على الخارج، أيًّا كان اسمه أو موقعه،
هو رهان خاسر إن لم يكن مسنودًا بإرادة وطنية حقيقية.
والتجارب القريبة والبعيدة تقول بوضوح:
من يسلّم قراره لغيره، يفقد احترامه لنفسه أولًا.
ولن نجاملك بالحديث عن قوى سياسية لفظها الشارع منذ سنوات،
أحزاب منتهية الصلاحية،
فشلت في إدارة الدولة،
ثم فشلت في حماية الانتقال،
ثم عادت اليوم تتسلل تحت مسميات جديدة،
بينما هي في الجوهر جزء من الأزمة لا من الحل.
هذه القوى، ومعها شبكات إقليمية ودولية معروفة،
شاركت – بوعي أو بانتهازية – في تفكيك الدولة،
ومهّدت الطريق لحرب تُدار بالوكالة،
ويُقتل فيها السوداني بسلاح غير سوداني،
ولأجندة لا علاقة لها بمصلحة هذا الشعب.
سيدي الرئيس،
الذهاب المتكرر بحثًا عن “حلول” خارج الحدود،
بينما الداخل يُستنزف ويُقصى،
ليس سياسة، بل هروب من مواجهة الحقيقة.
الحقيقة المؤلمة هي أن السودان لا يحتاج وسطاء أكثر،
بل يحتاج قرارًا شجاعًا،
قرارًا يضع حدًا للمليشيات،
ويُغلق الباب أمام الوصاية،
ويمنع إعادة تدوير الفشل تحت أي مسمى.
نقولها بوضوح، وبلا خوف:
لا تفويض لأحد ليحكم هذا البلد خارج إرادة أهله.
ولا شرعية لسلامٍ يُبنى على كسر الكرامة.
ولا مستقبل لسودان يُدار بعقلية التجريب.
هذه ليست خصومة شخصية،
ولا خطاب كراهية،
بل شهادة أمام الله والتاريخ.
فإن أصغيت، أنقذت ما يمكن إنقاذه.
وإن تجاهلت، فاعلم أن الشعوب قد تصمت طويلًا،
لكنها حين تتكلم… لا تُخطئ العنوان.
اللهم إنا قد بلغنا، فاشهد.

زر الذهاب إلى الأعلى