تقارير

مرتزقة كولومبيون في السودان «جُنّدوا عبر شركات مسجّلة في المملكة المتحدة»

يترجم تجمع روابط دارفور بالمملكة المتحدة ما ورد في صحيفة الغارديان البريطانية حول دور المرتزقة الكولومبيين في المساهمة في إسقاط مدينة الفاشر.

مارك تاونسند
الجمعة 19 ديسمبر 2025، الساعة 06:00 بتوقيت غرينتش

تحقيق حصري لصحيفة الغارديان يكشف أن شركات أُنشئت على يد أشخاص خاضعين لعقوبات أميركية قامت بتوظيف مقاتلين كولومبيين للقتال لصالح قوات الدعم السريع، المتهمة على نطاق واسع بارتكاب جرائم حرب في السودان.

بالقرب من ملعب توتنهام هوتسبير الحديث في لندن، يقع مبنى سكني متواضع وغير لافت للنظر. غير أن هذا المبنى يخفي سرًا قاتمًا خلف جدرانه شقة ضيقة في الطابق الثاني في العاصمة البريطانية، مرتبطة بفظائع دموية تتكشف على بُعد نحو 3,000 ميل إلى الجنوب.

وبحسب السجلات الحكومية البريطانية، فإن هذه الشقة المكونة من غرفة نوم واحدة، مقابلة طريق كريتون في شمال لندن، ترتبط بشبكة عابرة للحدود من الشركات المتورطة في التجنيد الجماعي لمرتزقة للقتال في السودان إلى جانب قوات شبه عسكرية متهمة بارتكاب عدد هائل من جرائم الحرب والإبادة الجماعية.

تم تجنيد مئات من العسكريين الكولومبيين السابقين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، وهي جماعة شبه عسكرية تتحمّل مسؤولية عمليات اغتصاب جماعي، وعمليات قتل على أساس عرقي، والقتل المنهجي للنساء والأطفال.

وشارك المرتزقة الكولومبيون بشكل مباشر في سيطرة القوات شبه العسكرية على مدينة الفاشر في جنوب غرب السودان في أواخر أكتوبر، وهو ما فجّر موجة من أعمال القتل يقول محللون إنها أودت بحياة ما لا يقل عن 60 ألف شخص.
ومع استمرار تزايد الأنباء عن الفظائع المرتكبة، كشف تحقيق لصحيفة الغارديان عن وجود صلات بين المرتزقة الذين جرى توظيفهم لاجتياح الفاشر وعناوين للشركات في العاصمة البريطانية لندن.
وتُسجَّل الشقة الواقعة في توتنهام باسم شركة تُدعى Zeuz Global، أنشأها شخصان فُرضت عليهما عقوبات من وزارة الخزانة الأميركية الأسبوع الماضي بسبب توظيفهما مرتزقة كولومبيين للقتال لصالح قوات الدعم السريع.
ويُوصف هذان الشخصان وهما مواطنان كولومبيان في الخمسينيات من العمر في وثائق سجل الشركات البريطانية على أنهما مقيمان في المملكة المتحدة.
ولا تزال الشركة نشطة. ففي اليوم التالي لإعلان وزارة الخزانة الأميركية فرض العقوبات على القائمين على عملية تجنيد المرتزقة الكولومبيين في 9 ديسمبر نقلت الشركة عملياتها بشكل مفاجئ إلى قلب لندن. وفي 10 ديسمبر أعلنت الشركة عن «تفاصيل عنوان جديد». ويتطابق رقم البريدي الجديد مع فندق وان ألدوِيتش الفاخر من فئة خمس نجوم في منطقة كوفنت غاردن.
غير أن السطر الأول من العنوان الجديد للشركة جاء بشكل مربك: «4dd Aldwych»، وهو ما يتوافق مع فندق والدورف هيلتون الواقع على بُعد 100 متر فقط.
وأكد الفندقان أنه لا توجد لهما أي علاقة بالشركة المذكورة ، ولا يعلمان سبب استخدام الشركة لعنوان بريدهم.
ويقول خبراء إن هذه القضية تثير تساؤلات جدية حول كيفية تمكّن أشخاص وجّهت لهم الولايات المتحدة عقوبات علينة بسبب «دورهم في تأجيج الحرب الأهلية في السودان» من إنشاء شركة وإدارتها ظاهريًا في العاصمة البريطانية.
وقد أدانت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، قوات الدعم السريع بسبب «عمليات القتل المنهجي، والتعذيب، والعنف الجنسي» عقب سيطرة الجماعة على الفاشر. كما اتهمت الولايات المتحدة قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية.
وقال مايك لويس، الباحث والعضو السابق في فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان:
«من المثير للقلق الشديد أن يتمكن الأشخاص الرئيسيون الذين تقول الحكومة الأميركية إنهم يديرون شبكة إمداد المرتزقة هذه من تأسيس شركة بريطانية تعمل من شقة في شمال لندن، بل وحتى الادعاء بأنهم مقيمون في المملكة المتحدة».
وعندما سُئل سجل الشركات البريطانية عمّا إذا كان لديه أي علم بطبيعة أنشطة شركة Zeuz Global أو ما تقوم به فعليًا، لم يقدّم أي رد. كما رفضت الجهة الحكومية تأكيد ما إذا كان الأفراد الخاضعون للعقوبات مقيمين بالفعل في المملكة المتحدة.
أما محاولة التواصل مع الشركة فلم تسفر عن أي نتيجة؛ إذ كان موقعها الإلكتروني، الذي أُنشئ في مايو، مرفقًا بعبارة «قيد الإنشاء» دون أي تفاصيل للتواصل.
وفقًا لوزارة الخزانة الأميركية، فإن الرجل المحوري في شبكة تجنيد الكولومبيين لصالح قوات الدعم السريع هو مواطن مزدوج الجنسية كولومبية–إيطالية، وضابط متقاعد في الجيش الكولومبي، يُدعى ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا، ويقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتتهم وزارة الخزانة الأميركية كيخانو بأداء دور مركزي في تجنيد جنود كولومبيين سابقين لإرسالهم إلى السودان، مستخدمًا وكالة توظيف مقرّها بوغوتا كان قد شارك في تأسيسها. كما فُرضت عقوبات على زوجته، كلوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو، لامتلاكها وإدارتها تلك الوكالة.
كما وجّهت الولايات المتحدة عقوبات مماثلاً إلى شخص آخر يحمل الجنسيتين الكولومبية والإسبانية يُدعى ماتيو أندريس دوكي بوتيرو، بسبب إدارته شركة متهمة بالتعامل مع الأموال وكشوف الرواتب الخاصة بالشبكة التي تقوم بتوظيف المقاتلين الكولومبيين.
وجاء في بيان وزارة الخزانة الأميركية:
«في عامي 2024 و2025، قامت شركات مقرّها الولايات المتحدة ومرتبطة بدوكي بإجراء العديد من التحويلات المالية الإلكترونية، بلغ مجموعها ملايين الدولارات الأميركية».
وفي 8 أبريل من هذا العام، قام دوكي وأوليفيروس بتسجيل شركة في شمال لندن تحت اسم ODP8 Ltd التي غير اسمها لاحقًا إلى Zeuz Global — برأسمال قدره 10,000 جنيه إسترليني.

وبعد ثلاثة أيام فقط، شنت قوات الدعم السريع هجومًا على معسكر زمزم للنازحين، حيث قُتل أكثر من 1,500 مدني. وبعد السيطرة عليه، سُلّم المعسكر إلى مرتزقة كولومبيين شرعوا في التحضير للهجوم على مدينة الفاشر، الواقعة على بعد ثمانية أميال إلى الشمال.

وتُظهر سجلات من سجل الشركات البريطانية أن دوكي وأوليفيروس يمتلكان «حصصًا أولية» في الشركة، كما تُصنَّف أوليفيروس على أنها شخص ذو «سيطرة مؤثرة» داخل الشركة.

وتصف أوليفيروس، وهي كولومبية تبلغ من العمر 52 عامًا، بريطانيا بأنها «بلد إقامتها».

وفي 17 يوليو 2025، جرى تعيين دوكي مديرًا في الشركة، ويُوصَف هو الآخر بأنه مقيم في المملكة المتحدة.

ويقول محللون إن تجنيد الكولومبيين كان له تأثير عميق على مسار الصراع، إذ شارك أفراد منهم في تدريب الأطفال ليكونوا جنودًا، إلى جانب القتال كقناصة ومشاة.

كما عملوا مدرّبين وطيّارين للطائرات المسيّرة، التي لعبت دورًا حاسمًا في سقوط الفاشر وخلال المعارك في إقليم كردفان، المتاخم لإقليم دارفور.
وقال مايك لويس:
«الحرب في السودان أصبحت حربًا عالية التقنية، تُستخدم فيها أسلحة موجهة وطائرات مسيّرة بعيدة المدى تتسبب يوميًا في مقتل مدنيين. وتشغيل هذه الأسلحة يتطلب مساعدة خارجية. ونحن نعلم أن عملية المرتزقة الكولومبيين كانت عنصرًا رئيسيًا في هذه المساعدة الخارجية»
وأضاف أن تورّط أفراد خاضعين لعقوبات في شركة مقرّها لندن يسلّط الضوء على مخاوف أوسع تتعلق بغياب التدقيق الصارم عند تأسيس الشركات.
وقال لويس:
«امتلاك شركة مسجّلة في المملكة المتحدة كهذه يُعد بمثابة جواز سفر للمجرمين للتعامل تجاريًا مع أطراف شرعية. ففي معظم الحالات، لا يزال الانضمام إلى نادٍ رياضي أصعب من تأسيس شركة في بريطانيا».
وأضاف:
«ونتيجة لذلك، هناك تاريخ طويل وموثّق على نطاق واسع لاستخدام شركات وهمية بريطانية في التوسّط لتجارة الأسلحة وتقديم المساعدات العسكرية لأطراف خاضعة لحظر في السودان، وجنوب السودان، وليبيا، وكوريا الشمالية بل وحتى لتنظيم داعش».

وأشار لويس إلى أن هذه القضية تثير تساؤلات جدية حول ما تقوم به الحكومة البريطانية لضمان عدم تورّط الشركات البريطانية في عمليات تجنيد المرتزقة.

وقال مصدر حكومي إن التطبيق الأخير لإجراء «التحقق الإلزامي من الهوية» لمديري الشركات والأشخاص ذوي السيطرة المؤثرة من شأنه أن يوفر قدرًا أكبر من الضمان بشأن هوية من يؤسسون الشركات البريطانية ويديرونها ويتحكمون فيها.

وأضاف المصدر أن الصلاحيات الجديدة الممنوحة لسجل الشركات أحرزت تقدمًا ملحوظًا في التصدي لإدخال معلومات كاذبة في السجل، وفي تحسين التعاون مع الشرطة.

وقد برزت مشاركة الكولومبيين في السودان لأول مرة العام الماضي، عندما كشف تحقيق أجرته منصة لا سيلا فاسيا (La Silla Vacía) في بوغوتا عن التعاقد مع أكثر من 300 جندي سابق للقتال. وقد دفعت هذه المعلومات وزارة الخارجية الكولومبية إلى تقديم اعتذار رسمي.

وأكد أحد المرتزقة مؤخرًا لصحيفة الغارديان أنه قام بتدريب أطفال في السودان وشارك في القتال بمدينة الفاشر.
كما ارتبطت دولة الإمارات العربية المتحدة، التي طالما وُجّهت إليها اتهامات بتسليح قوات الدعم السريع، بعمليات توظيف المرتزقة الكولومبيين.
وأشار تقرير صادر الشهر الماضي عن منظمة التحقيقات (The Sentry) إلى أن رجال أعمال إماراتيين يزودون قوات الدعم السريع بمقاتلين كولومبيين كانت لهم صلات بمسؤول حكومي إماراتي رفيع. وقد دأبت دولة الإمارات العربية المتحدة على نفي هذه الاتهامات باستمرار.
وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية:
«تدعو المملكة المتحدة إلى الوقف الفوري للفظائع، وحماية المدنيين، وإزالة جميع العوائق أمام وصول المساعدات الإنسانية من قبل جميع أطراف النزاع».
وأضاف:
«لقد فرضنا مؤخرًا عقوبات على قادة في قوات الدعم السريع لدورهم في الفظائع المرتكبة في الفاشر»
https://www.theguardian.com/global-development/2025/dec/19/colombian-mercenaries-sudan-rsf-us-sanctions-recruited-uk-registered-firms-investigation

زر الذهاب إلى الأعلى