عبدالمنعم أبوتفة
فوجئ النظام البائد، المتستّر بزيّ الجيش منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، بانفجار ثورة ديسمبر العظيمة، حين أزهل الشعب السوداني البطل العالم أجمع بشجاعته النادرة، وصلابته التي لا تلين، وإصراره الذي لا يُقهر على إسقاط نظام المؤتمر الوطني. خرج الشباب والنساء في مواجهة سلاح النظام بصدورٍ عارية، وقابلوا الرصاص بالسلمية، والعنف بالثبات، والإرهاب بالإرادة، حتى سقط رأس النظام، وتهاوى وهم القوة، وانكشف زيف البطش.
غير أنّ مسار التغيير كان محفوفًا بالدم، إذ ترافقت إطالة أمد التظاهر مع تصاعد غير مسبوق للقمع، وتطاول القتل والتعذيب، وتفشّي كل أشكال الانتهاكات الجسدية، بما فيها الاغتصاب، إلى أن بلغت الجرائم ذروتها في الفعلة الأكثر بشاعة: جريمة فضّ الاعتصام، تلك الجريمة الجماعية النكراء التي ارتكبتها مليشيات وكتائب المؤتمر الوطني، بمشاركةٍ كاملة ومكشوفة من أجهزة النظام الأمنية كافة، بما فيها قوات الدعم السريع.
ثم جاء التحدي الأكبر للنظام البائد، والنزال الأعظم مع الثورة، في مظاهرات الثلاثين من يونيو 2019، التي كسرت ظهر اللجنة الأمنية لنظام البشير، وأجبرتها على التفاوض مع ممثلي قوى الحرية والتغيير، والتوقيع على الوثيقة الدستورية، بكل ما اعتراها من عيوب فرضتها موازين القوة وظروف اللحظة التاريخية. غير أنّ تلك اللجنة سرعان ما كشفت حقيقتها؛ ففي العلن ادّعت الانحياز للثورة، وفي الخفاء تآمرت عليها، عبر أنصار النظام البائد وحلفائه، وبعض المتسللين إلى صفوف الثوار، مستخدمة كل أدوات التخريب، السرية والعلنية، لتعطيل مسيرة الثورة، وكان إغلاق ميناء بورتسودان أحد أخطر تجليات هذا العبث المتعمّد بمصير البلاد.
وحين فشلت كل محاولاتهم في كسر إرادة الشارع وإخماد الثورة، أقدموا على الانقلاب على حكومة الثورة. ولما فشل الانقلاب في انتزاع الشرعية الشعبية، لم يجدوا مهربًا من القبول بالاتفاق الإطاري. غير أنّ الحركة الإسلامية أشعلت الحرب فورًا، قطعًا للطريق أمام الاتفاق، وسعيًا لوأد الثورة والعودة إلى السلطة، ولو على أنقاض الوطن وجثث المواطنين . ومنذ ذلك الحين، ظلّوا ـ ولا يزالون ـ يعطّلون ويفشلون كل الجهود الإقليمية والدولية لوقف الحرب، بلا أدنى احترام لحرمة أرواح الأبرياء، ولا أي إحساس بمعاناة وآلام السودانيين وما يكابدونه من مآسٍ يومية.
إنّ هذه الحرب اللعينة التي دمّرت البلاد وأهلكت العباد ليست حرب الوطن ولا كرامته، بل حرب الحركة الإسلامية، وخصمًا مباشرًا على شرف السودان وسيادته. إنها حرب بين طرفي الانقلاب: جيش الكيزان، والدعم السريع، صنيعتهم وربيبتهم، اللذين انقلبا معًا على الثورة، ثم افترسا بعضهما بعضًا على حساب الوطن.
ومع ذلك، فإن الثورة السودانية لم تمت ولن تموت. فهي حيّة في قلوب الثوار، وسارية في دمائهم. ومظاهرات التاسع عشر من ديسمبر 2025 في عددٍ من مدن السودان، وعلى رأسها أم درمان والخرطوم وبورتسودان والقضارف ، ومدن خارج السودان كلندن وباريس وبرلين وواشنطن وتورنتو وأوتاوا والقاهرة ونيروبي ، دليل قاطع على أن جذوة الثورة ما زالت متقدة ، رغم لهيب الحرب التي لا يُسمَع فيها إلا صوت السلاح. ومآل الحرب إلى زوال مهما طال الزمان ورغم أنف الكيزان، وستنهض الثورة من تحت الركام، كما تخرج الشعرة من العجين، وكما خرجت الثورة الفرنسية من بين أنقاض الحرب لتواصل مسيرتها نحو التغيير.
ومن أجل تحريك الثورة وإعادة وحدة قوى الثورة ضرورة تبني شعار وقف الحرب من جميع قوى الثورة كشعار مكافئ لشعار تسقط بس والاتفاق على وسائل وآليات الضغط الشعبي لتنفيذ هذا الشعار .
لقد حسم الشعب السوداني الأبيّ خياره منذ انطلاقة ثورة ديسمبر المجيدة: فلا سودان حرّ ديمقراطي، ولا كرامة إنسانية، ولا دولة عدل، إلا بالتمسك الصارم بأهداف الثورة الكبرى، كما عبّرت عنها شعاراتها الخالدة:
حرية، سلام، وعدالة… والجيش للثكنات، الجنجويد ينحل .



