مصعب محمد خير: الكهرباء في مروي.. ظلامٌ في عاصمة النور
مواطنون يطالبون بحلول جذرية لأزمة الإمداد

بقلم: مصعب محمدخير
في مروي، حيث يقف سد مروي واحداً من أهم مشاريع إنتاج الكهرباء في السودان، يعيش المواطن أوضاعاً مؤلمة بسبب ساعات طويلة من انقطاع التيار الكهربائي وبرمجة الإمداد واضطرابه، في مفارقة تثير تساؤلات واسعة حول واقع الكهرباء في المنطقة المرتبطة باسم واحد من أكبر مشروعات الطاقة في البلاد.

ولا تبدو المشكلة، وفقاً لما يطرحه المواطنون، مجرد انقطاعات لساعات محدودة بسبب أعطال طارئة، بل تحولت في بعض الفترات إلى أزمة ممتدة وصلت إلى انقطاع كامل للتيار عن مناطق بالمحلية لأكثر من ثلاثة أشهر، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الزراعة والخدمات والأنشطة الاقتصادية وحياة المواطنين.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه مواطن مروي بوضوح: كيف يمكن لمنطقة تحمل اسم سد مروي، وترتبط بأحد أهم منشآت إنتاج الكهرباء في السودان، أن تكون من أكثر المناطق معاناة من الإمداد الكهربائي؟
لا يمكن تجاهل الأعطال الفنية والظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، إلى جانب نقص قطع الغيار ومشكلات خطوط النقل والتوليد والتوزيع. غير أن ما يصعب على المواطن تقبله هو أن تتحول المعاناة الاستثنائية إلى واقع دائم، وأن تصبح القطوعات جزءاً من الحياة اليومية دون حلول جذرية تضع حداً للأزمة.
المواطن في مروي لا يطلب المستحيل؛ فهو يريد كهرباء مستقرة، أو على الأقل برمجة واضحة وعادلة يستطيع أن يبني عليها حياته وأعماله.
وتزداد أهمية القضية في مروي بسبب ارتباط قطاعات إنتاجية أساسية بالكهرباء، وعلى رأسها الزراعة. فالمزارع يعتمد على الكهرباء لتشغيل طلمبات الري، وعندما ينقطع التيار تتوقف الطلمبات وتتوقف معها المياه، ما يهدد الموسم الزراعي ويضاعف الخسائر التي يتحملها المزارعون.
كما تمتد آثار انقطاع الكهرباء إلى المستشفيات والمراكز الصحية، والأسواق والمحال التجارية، والمعاملات المالية، والمدارس، والطلاب، والعاملين، ومختلف تفاصيل الحياة اليومية، ما يجعل أزمة الكهرباء قضية تتجاوز مجرد إضاءة المنازل إلى تأثير مباشر على الاقتصاد والخدمات والاستقرار الاجتماعي.
وبحسب تقارير إعلامية سابقة، فإن أزمة الكهرباء في الولاية الشمالية ومحلية مروي تحديداً أصبحت تؤثر بصورة مباشرة على المواسم الزراعية نتيجة اعتماد مشروعات الري على الكهرباء، الأمر الذي يضاعف الخسائر الاقتصادية للمزارعين، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة بدائل الطاقة، سواء الطاقة الشمسية أو الوقود المستخدم في تشغيل الطلمبات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى معالجات جذرية تتجاوز الحلول المؤقتة، مع ضرورة أن توضح الجهات المختصة للمواطنين: متى تنتهي مشكلات خطوط النقل؟ ومتى يتم تأهيل المحطات؟ وما حجم قطع الغيار المتوفرة؟ وما حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية؟ وما الذي تحتاجه كهرباء مروي حتى تستقر؟ وما الإجراءات المتخذة لحماية خطوط النقل والمحطات من الأعطال؟
والأهم من ذلك، هل توجد خطة واضحة تضمن عدم عودة مروي إلى المربع الأول عقب كل عطل أو خروج محطة أو خط عن الخدمة؟
إن الحلول المؤقتة وحدها لا تكفي. ومن المهم أن تعمل الجهات المختصة على توفير تغذيات بديلة وربط الشبكات بما يسمح بإدارة الطاقة المتاحة بصورة أكثر كفاءة وعدالة، لكن التغذية البديلة ينبغي ألا تتحول إلى بديل دائم عن الحل الجذري.
فالمواطن يريد الاستقرار، وليس نقل الأزمة من منطقة إلى أخرى. وإذا كانت الطاقة المتاحة محدودة، فمن حق المواطنين معرفة برمجة واضحة ومعلنة وعادلة، وإذا كانت هناك أعمال صيانة، فمن المهم إعلان بدايتها والمدة المتوقعة لإنجازها والنتائج المنتظرة منها.
أما أن يستيقظ المواطن كل صباح ولا يعرف ما إذا كان سيجد الكهرباء أم لا، فإن ذلك يضاعف الإحساس بالمعاناة ويضعف قدرة الأسر والمزارعين وأصحاب الأعمال على التخطيط لحياتهم وأنشطتهم.
ومروي ليست منطقة هامشية. فهي منطقة ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية، وترتبط باسم سد مروي، أحد أبرز مشاريع إنتاج الكهرباء في السودان. ولذلك فإن استمرار معاناة سكانها من الكهرباء يجعل القضية أكبر من مجرد عطل فني، ويطرح أسئلة حول عدالة توزيع الخدمة وترتيب الأولويات.
المطلوب اليوم هو الشفافية ووضع المواطن أمام الصورة كاملة. فاستمرار القطوعات بهذا الشكل يهدد الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات الصحية والتعليمية، ويضيف أعباء جديدة على الأسر التي تواجه أصلاً ظروفاً اقتصادية صعبة.
وإذا كانت أزمة الكهرباء مرتبطة بالشبكة القومية، فمن الطبيعي أن تشمل المعالجات مختلف الولايات، لكن هذه المعالجات يجب أن تقوم على رؤية عادلة تمنع تحول منطقة إلى ضحية دائمة لصالح منطقة أخرى، فالكهرباء خدمة قومية، والعدالة في توزيعها مسؤولية قومية.
مروي لا تطلب امتيازاً خاصاً، وأهلها لا يطلبون أكثر من حقهم الطبيعي في خدمة مستقرة؛ كهرباء تنير المنازل، وتشغل المستشفيات، وتحرك طلمبات الري، وتدعم الزراعة والإنتاج، وتفتح أبواب العمل.
المطلوب أن تتحول مروي من منطقة تعاني من أزمة الكهرباء إلى نموذج لاستقرار الطاقة، وأن تكون المعالجات على مستوى أهمية المنطقة، لا مجرد صيانة مؤقتة يتبعها عطل جديد وقطوعات جديدة ومعاناة جديدة.
فالظلام الذي يعيشه المواطن ليس ظلام المصابيح فقط، بل ظلام ينعكس على الخدمات الأساسية ومستقبل الناس وفرص الإنتاج.
والرسالة واضحة إلى وزارة الطاقة والجهات المسؤولة عن الكهرباء وحكومة الولاية الشمالية: مروي تحتاج إلى حل حقيقي، لا إلى مسكنات جديدة. المطلوب معالجة أصل المشكلة، وتحقيق العدالة في توزيع الكهرباء، ووضع خطة معلنة تضمن استقرار الإمداد.
فأهل مروي صبروا كثيراً، ومن حقهم أن يروا النور.



