بيان جماهيري من اللجنة الدوليــــــة لانقاذ النوبة ومناهضـــــة الســدود أهلنا الكرام في أرض النوبة العريقة،

جماهير الشعب السوداني الأبي
نخاطبكم اليوم في هذا المنعطف التاريخي الدقيق الذي تمر به بلادنا في ظل تحولات عميقة وأوضاع استثنائية تكاد تعصف باستقرار المنطقة النوبية والوطن وتهدد مستقبل مواطنيه.
لقد عملت جماهير المنطقة بجهود ذاتية صادقة على توفير المأوى والخدمات الأساسية وسبل كسب العيش للعائدين ، إيماناً منها بأن الأرض التي تمسك بها أبناؤها في الداخل والخارج ورفضوا عبر العقود سياسات التهجير القسري والإغراق، لا يمكن أن تخذلهم. وبالفعل كانت الأرض النوبية كعادتها حفية بأبنائها، مرحبة بعودتهم رغم شح الإمكانيات وضيق سبل الحياة.
وفي ظل هذه الظروف القاسية، يواصل أبناء المنطقة تسيير المرافق الحيوية والخدمات بالاعتماد على العون الذاتي، مدعومين بجهود أبناء المنطقة في دول الاغتراب، وذلك في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة وخدماتها الأساسية، وتدهور الأوضاع الأمنية، وتفاقم السياسات التي تستهدف الأرض النوبية عبر تجريفها وتسميمها باستخدام الزئبق والسيانيد، وتنامي بؤر التعدين العشوائي التي باتت تهدد السلم والأمن المجتمعي. وقد أدى ذلك إلى ظهور ممارسات وجرائم دخيلة لم تعرفها المنطقة عبر تاريخها الطويل، في سياق سياسات ممنهجة ظلت تُتبع منذ عهد النظام السابق، والتي استهدفت النوبيين تارة بالإغراق وتارة أخرى بتحويل منطقتهم إلى بيئة مدمرة وغير صالحة للحياة بفعل الزئبق والسيانيد، إلى جانب تغيير خارطتها السكانية نتيجة توافد أعداد غفيرة عابرة للحدود إلى بؤر التعدين.
ورغم المناشدات المتكررة من أعيان المنطقة، وفي مقدمتهم لجان مقاومة السدود ولجان المحافظة علي البيئة ورفض التعدين العشوائي، فإن الأنظمة المتعاقبة واصلت ذات النهج، وسارت على خطى السياسات السابقة دون مراعاة لخصوصية المنطقة أو حقوق أهلها التاريخية في الأرض والتنمية المستدامة، والمحافظة على إرثها الثقافي والمجتمعي المتفرد.
وفي الوقت الذي انصرفت فيه جهود أبناء المنطقة إلى العمل المشترك لاستيعاب العائدين، والتفكير الجماعي في التوسع السكني والزراعي بالإمكانيات الذاتية، فوجئنا بقرار صادر من حكومة الولاية الشمالية، أقل ما يمكن وصفه بأنه قرار غير مسؤول، يقضي بإيواء وتوطين نازحين في مناطقنا.
وهنا لا بد من تأكيد ما يلي:
• النازحون، سواء من أبناء المنطقة العائدين أو من الولايات والمناطق الأخرى، هم ضحايا هذه الحرب اللعينة، ونؤكد كامل تضامننا معهم.
• تكفلت مناطقنا بإيواء آلاف الأسر التي عادت إلى أرض أجدادها، وتقاسم أبناء المنطقة معهم السكن وسبل المعيشة، في ظل غياب كامل للدور الحكومي أو المنظمات.
• عندما وصل النازحون من ولايات دارفور، تدافع أبناء المنطقة لدعمهم بكل معينات العيش الكريم من مواد غذائية وكساء وخدمات، وهو واجب إنساني وأخلاقي نقوم به دون منّ أو أذى, (ولولا هذا المقام لما كان المقال).
• يتمثل دور الحكومة والمنظمات المحلية والسودانية والدولية في توفير بيئة آمنة تحفظ كرامة النازحين وإنسانيتهم، وتحترم تنوعهم الثقافي وعاداتهم وتقاليدهم، لحين تهيئة سبل عودتهم إلى ديارهم بإزالة كافة مسببات النزوح.
لكل ذلك، تؤكد اللجنة الدولية لانقاذ النوبة ومناهضة السدود أن أبناء المنطقة لم ولن يكونوا ضد إيواء المتضررين من الحرب أو مد يد العون للنازحين، فهذا واجب، وطني، وإنساني، وأخلاقي. غير أن فرض سياسات الإيواء والتوطين في مناطقنا (والتي تعج بالنازحين من أبنائها) دون دراسة، وبقرار سياسي فوقي، دون التشاور مع المجتمعات المحلية، ودون مراعاة للظروف الإنسانية والخدمية الهشة التي تعاني منها المنطقة أصلاً، يمثل تهديداً حقيقياً للتوازن السكاني والاجتماعي، ويزيد من تعقيد الأوضاع الإنسانية والأمنية في منطقة تعاني من شح الموارد وضعف الخدمات.
وعليه، فإننا نؤكد الآتي:
1. الرفض المطلق لأية قرارات أحادية تتعلق بإيواء أو توطين دون موافقة المجتمعات المحلية.
2. التأكيد على حق أبناء المنطقة في أرضهم ومواردهم، وضرورة حمايتها من أي سياسات تهدد استقرارها.
3. المطالبة بوضع خطة قومية عادلة وشفافة لمعالجة أوضاع النازحين، بعيداً عن أي مكاسب أو حسابات سياسية، وبما يضمن التعامل مع هذا الملف الإنساني وفق أسس العدالة والمسؤولية الوطنية.
4. معالجة الأسباب التي أدت إلى الهجرة والنزوح بكل وضوخ وشفافية، والعمل على إيقاف هذه الحرب الضروس وإزالة مسبباتها حتى يعود الجميع إلى ديارهم.
5. دعوة أبناء المنطقة في الداخل والخارج إلى مواصلة التكاتف والتضامن لحماية الأرض والمجتمع.
6. مناشدة القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني الوقوف إلى جانب قضايا المنطقة العادلة.
إننا في اللجنة الدولية نجدد التزامنا بالعمل السلمي الجماهيري، والدفاع عن حقوق أهلنا المشروعة، وحماية الأرض النوبية وتاريخها ومستقبل أجيالها القادمة. وفي سبيل حماية الأرض، حلّقت أرواح شهدائنا الكرام في كدنتكار يوم 13 يونيو 2007، إثر قرارات رعناء حاول النظام آنذاك فرضها على المنطقة عبر حكومة الولاية الشمالية، فكانوا مشاعل نورٍ ووعيٍ ومقاومة، ستظل ذكراهم حية في وجدان كل أبناء النوبة.
كلُّ الحوادثِ مبدؤها من النظرِ
ومُعظمُ النارِ من مُستصغرِ الشررِ
عاشت وحدة أبناء النوبة
عاش السودان وطناً يسع الجميع
اللجنة الدوليــــــة لانقاذ النوبة ومناهضـــــة الســدود



