الأعمدة

رحلة ومبادرة الدكتور كامل …ما لها وما عليها وما بعدها !

دون أن نقلل من شخصية ومكانة الرجل ولا نسخر من الدور الذي يراه الكثيرون بأنه شكلي ديكوري يلعبه لتجميل وجه سلطة الجيش الحاكمة فعليا ..لايهام الرأي العام العالمي بأن في السودان حكومة مدنية تنفيذية مفوضة وطنيا لمخاطبة العالم عبر منصته التي بحت مكبرات صوتها على مدى عمرها الطويل دون أن تقتل ذبابة في اسرائيل ولا ترعب فارا في مواضع أخرى كثيرة !.
غير أنني وددت أن أقول إن توقيت جلوس الدكتور كامل في مقعد كان يمكن أن يملأه مندوب السودان في المنظمة الدولية أو وزير الخارجية طالما أن مخاطبة الذي يفترض أنه الرجل التنفيذي الاول في سلطة الأمر الواقع لم تكن ضمن جلسة مخصصة أفردت لمناقشة الأزمة السودانية يكون حضورها من هم ارفع درجة من المندوبين وعلى ذات درجة رئيس الوزراء أو نحو ذلك..مما يجعل ضرب الرجل ووفده لاكباد الطائرات ضربا من العبث الإنفاقي لعرض مبادرة كان من الممكن إطلاقها عبر إعلام الدولة ومن مقر الحكومة في بورتسودان ومن ثم انتظار صداها في الأوساط الدولية التي قصدها الدكتور كامل لعرض بضاعة من كلفوه بالسفر ولم تجد صدى في الاعلام العالمي او حتى الإقليمي الذي بثها في مؤخرة نشرات أخباره بعرض لمحات متقطعة من خطاب الرجل أو عبر الشريط الذي يمر أسفل الشاشات التلفازية ..ومن غير تحليلات عاجلة لتشريح مغزاها او جدواها من عدمه
أما فيما يتصل ببنود المبادرة فهي في جلها عبارة عن شروط مسبقة يفترض وحسب ما يفهم منها أنه يجب على الدعم السريع تنفيذها قبل الجلوس للتفاوض ..وهنا يقفز سؤال المليار دولار وفيما سيكون التفاوض المباشر مع الخصم أو على ماذا يتحرك الوسطاء اصلا بعد ذلك القبول !
فهل يعقل أن يمتثل الدعم السريع لشروط الانسحاب بهذه السهولة من مدن وحاميات عسكرية هو قد احتلها بقوة السلاح ويتملكة الغرور بأنه قد نالها ان لم يكن بهزيمة مباشرة انتزاعا من جيش الدولة فعلى الأقل كانت نتيجة انسحابات متتابعة وبمختلف الذرائع !
وهل من السهل أن يسلم عسس حميدتي رقبتهم لسكين اعدائهم بأن تجمع قواتهم في معسكرات وهي مجردة من السلاح رافعة اياد الاستسلام للذبح الرحيم !

فشتان مابين الحلول الرومانسية التي يدحضها تطاول الحرب التي يتجلى تبسيط انهائها بهذه الصورة الحالمة في المبادرة .
وبين ما كان يمكن أن يكون حلا مقبولا على ضوء مبادرة جدة في بداية الأزمة وتحديدا في شهرها الأول . حيث كان المطلوب من الطرفين إخلاء المواقع التي يحتلها كل منهما وخصوصا الدعم الذي تغلغل في بيوت المواطنين وهو أمر يختلف تماما عن واقع الحال الآن حيث جرت مياه كثير تحت جسر الزمن فأصبح الدعم السريع متغولا على أقاليم بحالها ويسعى إلى توطيد وجوده بتوسيع سلطة موازية في تلك البراحات و يعتقد أنه أحرز فيها ما يمكن تسميته بوضع القدم الذي هو اسم الدلال لذلك الإحتلال الدامي !
ثم إن مبادرة دكتور كامل قفزت إلى شرط وقف إطلاق النار متجاوزة مبادرات الوسطاء السابقة التي كانت تسعى لتوقيع هدنه إنسانية تمهد لتلك الخطوة المتقدمة ومن ثم تتوالى الخطوات الأخرى اللاحقة تباعا.
ومن العقلانية على من يرون أن مثل هذه المبادرة وإن بدت مثالية من وجهة تلمس الاعتراف بشرعية سلطة الدولة وإثبات حقها في البحث عن صيغة حل للازمة كواجب اصيل و مسئؤلية تاريخية ملزمة وأخلاقية ثابتة وليست سياسية عابرة او عسكرية ضاربة فحسب.
غير أن اهمية وضوح رؤية شرعية الدولة تلك تحتم عدم المراوحة بين اختزال وتبسيط مأساة وكارثة هذه الحرب كلها في مجرد تشريح كونها محض تمرد فصيل شبه عسكري وكأنه الإبن العاق الذي خرج بخناقة من كنف الاب ويجب استتابته عن ذلك العقوق بالعودة ليقبل قدم والده ندما ..ليتناقض ذلك التبسيط مع ما تجأر به ذات الدولة وجيشها و إعلامها وكتائبها وكل اصواتها الداعمة بأنها حرب وجودية يشنها رهط من الدول المعادية والداعمة لذلك الإبن العاق . وهي طبعا سردية صحيحة في جزئية حقيقة أن الدعم السريع لا يمكن له أن يتمدد بهذا الشكل الافقي في أنحاء الإقليم الغربي ما لم يكون مدعوما من جهات بعينها وهو الذي خرج موليا الادبار بكل عدته وعتاده ومقاتليه مهزوما من مناطق المركز والوسط !
خلاصة القول ..فلا غضاضة أن تطرح الحكومة ما يتراءى لها من مبادرات تحسبها أمثل الحلول للأزمة الماثلة ..غير أنها جاءت في مؤخرة قطار المبادرات التي سبقتها إلى محطات ذهبت بعيدا في مشوارها الرابط بين الرياض وواشنطن ..مع اختلاف مهارة سائقي هذا القطار عن عدم خبرة الدكتور كامل ادريس الدبلوماسية التي حجمت أهمية رحلته المكلفة ماديا وابتزازها لعامل الزمن ليس إلا..و في كون الرجل مع تقديرنا له.. كان فقط ناقلا للخبر وليس محررا للنشرة .
والله المستعان ..

زر الذهاب إلى الأعلى