نزار عثمان السمندل
تحدث قائد الجيش البرهان، في ذكرى الاستقلال، بلهجة عالية السقف، واعداً بنصر عسكري يلوح في الأفق، ومصالحة وطنية يفتح لها الأبواب.
خطاب يراهن على المستقبل أكثر مما يستند إلى الوقائع، ويقترح طريقين شديدي الوعورة في بلد أنهكته الحرب وتآكلت خرائطه السياسية والاجتماعية. نبرة التفاؤل تبدو هنا محاولة لتسكين الخوف العام، أكثر منها إعلانًا عن لحظة حاسمة تتهيأ شروطها.
الحديث عن “نصر قادم” يتجاوز المعطيات المتاحة على الأرض. ميزان السيطرة ما زال موزعاً على نحو يجعل الحسم بعيد المنال. قوات الدعم السريع، لا تزال ممسكة بمساحات واسعة، بينها مناطق ذات ثقل اقتصادي مرتبط بالنفط والمعادن. الجغرافيا العسكرية لا تنحاز إلى رواية قريبة للحسم، والسياسة لا تملك أدوات تحويل التقدم الجزئي إلى نهاية للحرب.
هنا يتقدم السؤال: متى يتحول الوعد إلى خطة، والخطاب إلى مسار قابل للاختبار؟
يُقرأ اختيار القصر الجمهوري مسرحاً للخطاب باعتباره رسالة رمزية عن العودة إلى الخرطوم واستعادة العاصمة من قبضة الحرب. غير أن الرمزية، مهما بلغت قوتها، لا تعيد بناء دولة ولا ترمم انقساماً عميقاً. القصر المتضرر يعكس صورة بلد أصيب في صميمه، وعودة الصوت الرسمي إليه لا تعني بالضرورة عودة السلطة الجامعة. ما زالت العاصمة نفسها مسرحاً لسيطرة متداخلة، وما زالت الولايات تعيش تفاوتاً حاداً في الأمن والإدارة.
تتوسع الوعود لتشمل مصالحة وطنية شاملة، تُعرض بوصفها أفقاً مفتوحاً لكل من “يريد الانضمام إلى الحق”. غير أن المصالحة لا تولد من لغة الغلبة، ولا تُبنى على شروط تُغلق باب السياسة قبل أن تفتحه.
ليس هناك من لا يرجو تدمير المليشيا، لكن الإصرار على تفكيكها ونزع سلاحها شرطاً لأي تسوية يضع السلام في خانة المستحيل العملي، ويحوّل المبادرات إلى بيانات نيات.
التجارب القريبة تقول إن إنهاء الحروب الأهلية يحتاج مقاربات مركبة، تعترف بتوازنات القوة وتبحث عن مخارج تدريجية، لا شعارات فاصلة.
البلاد تعيش انقساماً سياسياً حاداً، وتفتقد كتلة مدنية قادرة على لعب دور الوسيط الجامع. القوى التي يُخاطبها قائد الجيش تعاني التشرذم، وبعضها فقد ثقة الشارع، وبعضها الآخر أُقصي أو صمت تحت ضغط السلاح.
الحديث عن “دولة المواطنة” يظل شعاراً، ما لم يُترجم إلى عقد سياسي جديد، يحدد موقع الجيش في الدولة، ويعيد تعريف العلاقة بين السلطة والسلاح والمجتمع.
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 خرجت منذ وقت طويل من إطار خلاف على دمج قوة مسلحة. تحولت إلى مأساة وطنية واسعة، خلّفت عشرات الآلاف من الضحايا، ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح، وفتحت جراحًا اجتماعية عميقة، خصوصاً في دارفور وكردفان.
اتساع رقعة القتال هناك يذكّر بأن النزاع يتغذى على هوامش مهمشة، وأن الحل العسكري يزيد تعقيد المشهد بدل أن يختصره.
يحتاج السودان إلى خطاب يعترف بثقل اللحظة، ويصارح الناس بكلفة الخيارات، ويقدّم خريطة طريق لا تكتفي باستدعاء التاريخ.
الاستقلال الذي يُحتفى به كان ثمرة توافق وإرادة جماعية. أما الاستقلال المنشود من الحرب، فيتطلب شجاعة سياسية تعادل شجاعة الميدان، وإلا بقيت الوعود معلقة في سماء بلد ينتظر السلام منذ وقت طويل.



