الأعمدة

ما طبيعة الرابط بين هذه الجماعات؟

الحرب، في كلِّ زمانٍ ومكان، هي الحرب؛ من حيث استهدافها للحياة كلِّها، واستقرارِ الأوطان وكرامتِها، وإنسانيةِ البشر، وإفرازِ أسوأ ما في النفوس من كوامن الكراهية، وإعلاءِ نبرة التخاطب بها. ولا غروَ في ذلك ولا غرابة منذ الأزل.
غير أن أسباب الحروب تتبدل وتتطور وفقاً لتسارع خطى الزمن، من حيث الآليات والوسائل والتقنيات، وتنوع المصالح وتقاطعها، وهو ما يجعل ضبط تلك الأدوات عصياً حتى على الأطراف التي تتبادلها في السجالات التي يدفع ثمنها المدنيون، وتُحدِث خسائر فادحة في البنيان القائم والعمران التنموي.
وعلى حبال كل تلك المعطيات، ينقسم الفرقاء المحاربون إلى معسكرات تتداخل وتتباين؛ بين عقلاء يسعون ـ بعد ارتقاء قناعاتهم ـ إلى الإقرار بعدم جدوى الاحتراب كحل للخلافات، أياً كان نوعها أو مسبباتها، وبين فئات أخرى تجد نفوسها منغمسة في تأجيج نار الحرب، توهماً بإحراز الانتصار الذي يراودها لشيءٍ في نفس يعقوبها.
ولعلي هنا أجد نفسي أتناول مقارنات من واقع تجربة حرب السودان من ناحية، والحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية، وحرب لبنان من ناحية أخرى. حيث نجد أن جماعة بعينها، وتحديداً تلك المتشددة والمتشبثة بالسلطة، تقف عقبة أمام أية جهود لإيقاف الحرب، وفق آلية الشروط المتبادلة على طاولة التفاوض، بما يضمن حداً من معقولية المكاسب لكل طرف.
فالجماعة المنتمية إلى التيار الإسلامي في السودان، والقريبة من الجيش، ظلت ـ بحسب ما يراه كثير من المحللين والداعين إلى وقف الحرب ـ عقبة كأداء أمام الحل عبر التفاوض، بل سعت إلى عرقلة جولات البحث عن التسوية، سواء في جدة أو جنيف أو أخيراً في برلين.
وهو ذات التشدد الذي ينتهجه الحرس الثوري في إيران، وحزب الله في لبنان، وكأن ثمة رابطاً خفياً يشد تلك الجماعات بحبل الاعتصام خلف خطوط النيران؛ ربما لاعتقادها بأن نجاح المجهودات الساعية إلى تكريس السلام في هذه الأنحاء أو تلك يهدد مستقبل استعادة سلطتها الكاملة، التي سقطت في السودان عقب ثورة ديسمبر 2019 مثلاً.
تماماً كما يخشى الحرس الثوري في الجمهورية الإسلامية انحسار سطوته وسلطته في مقابل التيارات المعتدلة التي تتلمس سبل الحلول السلمية عبر الوساطات المختلفة والرحلات المكوكية للتشاور مع الحلفاء حول الصيغة المثلى للخروج من الأزمة المستفحلة عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً.
وهو ذات الدأب الذي يتمسك به حزب الله اللبناني خشية زوال دولته الموازية لسيادة الدولة الشرعية، بكل مكوناتها الدستورية والتشريعية والتنفيذية، والتي أقرت مبدأ نزع سلاح الحزب وحصر أدوات العنف وقرار الحرب والسلم في يد سلطة الدولة. وهو كذلك ما تمثله مواقف بعض المليشيات الشيعية في العراق.
فأصبحت الانقسامات بين معسكر السلام وجماعات التشدد حيال الحرب في كل تلك البلدان، وكأنها نسخة مطبوعة مكررة بجهاز تصوير ضوئي.
وبالتالي طفت إلى السطح لغة التنابز، ولغة الاتهامات بالعمالة والانكسار هنا أو هناك، في مواجهة المعسكر الساعي إلى التفاوض، مما يزيد من تعقيدات الأزمات، في تشابه غريب يشي بأن رابطاً خفياً يجمع بين تلك الجماعات المتشددة.
فهل هو التمسك بالحرب كأداة لاستمرار سلطة من هم على سدتها؟ أم هو تكريس مكانة من يسعون إلى استعادة سلطتهم المفقودة؟ أم هو دافع التزمت المذهبي الذي يقايض أصحابه بنسف الأمن القومي والمجتمعي مقابل بقاء ذلك التشدد، دون النظر إلى العواقب الوخيمة التي تهدد كيانات دولهم وسيادتها، وتنسف الاستقرار الاجتماعي، وتمزق وحدة التراب الوطني؟

زر الذهاب إلى الأعلى