الأعمدة

الخوف من الكلمة

عبد الكريم البليخ
رحلتي الطويلة بين رفوف الكتب، كنتُ أتنقّل لا بوصفـي قارئاً يبحث عن المتعة فحسب، بل ككائنٍ قَلِقٍ يسعى إلى فهم ذاته والعالم من حوله. كنتُ أظنّ، في بدايات تلك الرحلة، أن الفارق بين الكتاب العربي ونظيره الأجنبي يَكمن في العُمق أو المنهج أو الجرأة، غير أنّ القراءة المتأنية كشفت لي وهماً شائعاً: فالمشكلة ليست في النصوص ولا في العقول التي أنتجتها، إذ تزخر الثقافة العربية بمبدعين كبار، ومفكرين حملوا أسئلتهم الثقيلة على أكتافهم، وكتبوا بوعيٍ وجمالٍ لا يقلّان عن أي تجربة إنسانية أخرى. إنّ المأزق الحقيقي كامنٌ في السياق الذي يُحاصر هذه العقول، في نظامٍ سياسيٍّ يرى في الفكرة خطراً، وفي السؤال تهديداً، وفي الاختلاف جريمة تستحق العقاب.
هناك، في الضفة الأخرى من العالم، لا تبدو الكتب معصومة من النقد أو خالية من الصدام، لكنها تعيش في فضاءٍ أوسع من الحرية، فضاء يَسمح للفكر أن يخطئ، ويصيب، ويتطوّر. ولهذا لم يكن غريباً أن يقترن الانفتاح السياسي بازدهارٍ علمي وإبداعي، وأن تتحوّل المعرفة إلى قوةٍ ناعمة تبني حياة أكثر إنسانية ورقياً. أما عندنا، فكثيراً ما يُحاكم الكاتب لا على ما كتب، بل على ما يُخشى أن يوقظه نصّه في وعي القارئ.
ولم تخلُ رحلتي من كتبٍ وُسِمت بالممنوعة أو الشائكة، وكأنّ المنع كان بحدّ ذاته دعوةً خفيّة إلى الاقتراب منها. من بين تلك الكتب، وجدتُ نفسي أمام «آيات شيطانية»، لا بدافع التحدّي الأجوف، بل برغبة صادقة في الفهم: ما الذي يجعل نصاً أدبياً يبلغ هذا الحدّ من الخطورة؟ وما الذي يدفع سلطةً ما إلى ملاحقة كاتبه، لا بالنقد ولا بالمحاججة، بل بإهدار دمه؟
حين قرأت الكتاب، أدركت أنّ جوهر الأزمة لم يكن في النص وحده، بل في السياق الرمزي والسياسي الذي استُقبل فيه. لقد كانت السخرية من رمزٍ دينيٍّ وسياسيٍّ بحجم آية الله الخميني كافية لإشعال غضبٍ عابرٍ للحدود، خصوصاً وهو الذي قاد الثورة الإيرانية عام 1979، وأصبح مرجعاً روحياً وسياسياً في آن. لا يمكن إنكار أنّ الكتاب يضمّ آراءً صادمة وخطيرة، وربما مستفزّة، لكنّ السؤال الأعمق يظلّ معلّقاً: هل يُواجَه الفكر بالفكر، أم يُقابَل بالعقاب؟ وهل يملك أيّ إنسان، أو أيّ سلطة، حقّ تحويل الاختلاف إلى رصاصة؟
إنّ معاقبة الفكر بالقتل ليست دفاعاً عن المقدّس، بل اغتيال للإنسان في جوهره. فالفكرة، مهما بلغت حدّتها، لا تُمحى بسفك الدم، بل تتحوّل إلى جرحٍ مفتوح في الوعي الجمعي، وإلى شاهدٍ على عجز المجتمع عن إدارة خلافاته بوسائل إنسانية. وحده الحوار، والنقد، والاحتكام إلى العقل، ما يمنح المجتمعات فرصة للنضج، ويصون كرامة الإنسان، كاتباً كان أم قارئاً. وفي نهاية الرحلة، يبقى السؤال الوجوديّ معلقاً: هل نخشى الكلمة لأنها تكشف هشاشتنا، أم لأننا لم نتعلّم بعد كيف نعيش أحراراً مع اختلافنا؟

زر الذهاب إلى الأعلى