نحن شعبٌ يتقن الوقوف على حافة الانكسار دون أن يسقط، لا لأننا أقوياء، بل لأن السقوط نفسه صار ترفًا.
ربما يأتي عامٌ…
نحن شعبٌ يتقن الوقوف على حافة الانكسار دون أن يسقط، لا لأننا أقوياء، بل لأن السقوط نفسه صار ترفًا.
نعيش كأننا نؤجّل البكاء إلى إشعارٍ آخر، نخبئ الدموع في أماكن بعيدة من الروح، خوفًا من أن تنفد قبل أن تنتهي الفواجع.
هذا العام لم يمر
فينا ..
لكنه
مرّ علينا.
مرّ مثقلاً بالجثث، مثقوبًا بالأسماء، تاركًا ما لا يُرمَّم، ثم مضى كأن شيئًا لم يحدث.
الحرب لم تسرق منا البيوت فقط، سرقت الإحساس بالزمن.
صرنا نستيقظ ولا نعرف في أي يوم نحن، ولا أي مدينة، ولا أي نسخة من أنفسنا ما زالت تتنفس.
هناك من نام ليلةً، واستيقظ صباحًا وهو يتيم.
ومن خرج ليشتري خبزًا فعاد حكايةً ناقصة في ذاكرة الآخرين.
وفيما تحتفل العواصم بالألعاب النارية،
نقتل نحن بعضنا بالأسلحة النارية.
هناك، يرفعون رؤوسهم إلى السماء لعدّ الألوان،
وهنا نخفض رؤوسنا لعدّ الجثث.
هناك، يدوّي الانفجار فرحًا لثوانٍ،
وهنا يمتدّ صداه حزنًا لسنوات.
هم يدخلون عامًا جديدًا بالضحك،
ونحن ندخله بقوائم الموت، وبسؤالٍ ثقيل لا نجرؤ على نطقه: من التالي؟
في الذكرى السبعين للاستقلال، نقف أمام الوطن كما يقف الابن أمام قبر أبيه.
نعتذر عن كل شيء… حتى عن البقاء أحياء.
نقول له بصوتٍ مكسور: سامحنا، لم نحسن حراستك.
تركناك وحيدًا بين البنادق، وصدقنا — بسذاجة قاتلة — أن النار يمكن أن تشبع.
سبعون عامًا،
والدم هو اللغة الأكثر طلاقة.
والسؤال ذاته ينهض من تحت الركام:
لماذا كل هذا الموت في بلدٍ كان يمكن أن يكون بسيطًا؟
لماذا نموت بسهولة، بينما الحياة تحتاج إلى كل هذا العناء؟
هناك أمهات لا ينتظرن عامًا جديدًا،
ينتظرن صوتًا واحدًا يعود.
هناك أطفال تعلّموا أسماء الأسلحة قبل الحروف،
وشيوخ يخبئون مفاتيح بيوت لم تعد موجودة،
كأن المفاتيح وحدها قادرة على استدعاء الجدران من الغياب.
نحن لا نطلب المعجزات.
نطلب فقط يومًا بلا فاجعة،
ليلةً لا يوقظها الرصاص،
وصباحًا لا يبدأ بقائمة أسماء الموتى.
ربما يأتي عامٌ…
لا نُضطر فيه إلى التماسك أمام بعضنا،
ولا نخجل من البكاء في العلن.
عامٌ لا تكون فيه النجاة صدفة،
ولا الوطن ذكرى موجعة نتداولها همسًا.
ربما يأتي عامٌ نُغاث فيه،
فتعود الدموع إلى وظيفتها الأولى:
أن تكون بكاءً… لا حدادًا.
إلى أن يأتي ذلك العام،
سنظل نكتب،
وسنبكي بصمت،
وسنترك لهذا الوطن مكانًا في القلب…
..حتى وهو يقتلنا ببطء.ليتني أستطيع أن أقول لكم
كل عامٍ وأنتم بخير…
لكنني أكذب لو قلتها،
وأخونكم لو جاملت الألم.
كيف أهنئكم، وأنا أعلم يقينًا أنكم لستم بخير؟
كيف أتمنى لكم سنةً سعيدة،
وكل المؤشرات تشير إلى الحداد،
وكل الطرق تؤدي إلى المقابر؟
يدخل علينا عامٌ جديد،
ولا يخرج من صدورنا العام الذي قبله.
تتبدّل الأرقام،
ولا يتبدّل القتلة.
لا يزال البرهان فينا،
ولا يزال حميدتي بيننا،
كأن هذا الوطن كُتب عليه
ألا يعرف صباحًا بلا بنادق.
يدخلون معنا عامًا جديدًا،
لا ليعتذروا،
بل ليعدونا بالمزيد من الموت،
وكأن الدم صار مشروعهم الوحيد القابل للتجديد.
نحن لا نستقبل عامًا…
نستقبل نعوشًا مؤجَّلة،
ونتعلّم أسماء فواجع لم تقع بعد.
نضحك أحيانًا من فرط العجز،
ونصمت كثيرًا لأن الصراخ لم يعد يُجدي.
ليتني أستطيع أن أقول لكم:
الأيام القادمة أجمل،
لكنني لا أرى إلا وجوهًا جديدة للحزن،
ولا أسمع إلا خطبًا قديمة تبرّر القتل.
فلا عامكم سعيد،
ولا وطنكم بخير،
ولا الموت شبعان.
وكل ما أستطيع قوله،
بصدقٍ موجع:
نحن أحياء…نعم نحن احياء
وهذا، في هذا البلد،
أقصى ما يمكن أن يُقال
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar



