الأعمدة

الكيزان بين انكشاف الشرق واستحالة الاحتماء بالشمال

عزام عبد الله
تشهد الجغرافيا السياسية في السودان تحولاً عميقاً يضرب جوهر المشروع الكيزاني. فالمناطق التي طالما اعتُبرت ملاذات آمنة أو ساحات يمكن التحكم فيها، أصبحت اليوم مصدر تهديد مباشر، لا بسبب السلاح وحده، بل بسبب تغيّر الوعي وانهيار السرديات التي اعتمد عليها النظام لعقود.
أولاً: شرق السودان… من هامش مُستغَل إلى مركز مساءلة
لم يعد الشرق فضاءً صامتاً أو كتلة يمكن تحريكها بخطاب ديني أو تعبوي. خلال الأشهر الأخيرة، ظهر صوت جديد من داخل الإقليم نفسه، صوت يرفض الحرب ويكشف زيف الخطاب الكيزاني.
هذا التحول كشف ثلاث حقائق أساسية:
– خطاب الحرب فقد قدرته على الإقناع.
– استدعاء الدين لتبرير القتل لم يعد فعالاً.
– تهمة “الخيانة” لم تعد تخيف أحداً.
الأخطر بالنسبة للكيزان أن الرفض هذه المرة ليس صادراً من خصوم تقليديين، بل من أبناء الأرض الذين يرفضون أن يكونوا وقوداً لمعارك لا تخصهم. وهنا تحديداً بدأ الانكشاف الحقيقي.
ثانياً: وهم الاحتماء بالشمال
مع تضييق الخناق في الشرق، عاد الكيزان إلى وهم قديم:
أن الشمال يمكن أن يكون الملاذ الأخير.
هذا الوهم يستند إلى قراءة تاريخية متقادمة تفترض أن:
– الشمال حاضنة اجتماعية لهم.
– المركز النيلي بطبيعته محافظ.
– الخوف من التفكك قد يدفعه لقبول أي سلطة.
لكن هذه القراءة لم تعد صالحة. الواقع تغيّر جذرياً.
ثالثاً: شمال جديد… ذاكرة لا تُشترى
الشمال اليوم ليس شمال 1989.
هو منبع الوعي والثورات، ترس الشمال لا حارس الأنظمة.
مدنه — عطبرة، الدامر، شندي، دنقلا — كانت أول من كسر هيبة الكيزان، وأول من دفع ثمن مقاومتهم.
الأهم أن الشمال:
– يعرف الكيزان بالأسماء والوجوه.
– يعرف فسادهم داخل المؤسسات.
– يعرف أن كل عودة لهم كانت تعني مزيداً من الانهيار.
لذلك فإن العداء هنا ليس سياسياً فقط، بل أخلاقياً ووجودياً.
رابعاً: مأزق الكيزان… سقوط السردية وانعدام الشرعية
الأزمة الحقيقية ليست في ضعف القوة العسكرية، بل في انهيار الأساس الذي قام عليه المشروع الكيزاني:
– لا سردية مقنعة.
– لا مشروع سياسي.
– لا شرعية اجتماعية.
لم يعودوا يمثلون الدولة، ولا الإسلام، ولا الاستقرار.
ما تبقى لهم هو التخويف والتخريب وإطالة الحرب، لكن كل يوم يمر يضعف قدرتهم على الادعاء بأنهم “الحل”.
خامساً: داعموهم… رهان مؤقت بلا مستقبل
لم يعد هناك طرف إقليمي أو دولي يراهن عليهم كخيار مستقبلي.
هم مجرد أداة تُستخدم عند الحاجة ثم تُستبدل.
لا يملكون مشروعاً قابلاً للتسويق، ولا رؤية يمكن أن تُدمج في أي تسوية سياسية جادة.
أي مسار مدني جامع يعني نهايتهم السياسية.
سادساً: سقوط ورقة الموارد… ورقة إمداد خطوط الدفاع
ظلّت الموارد لعقود هي الورقة التي يبتز بها الكيزان الداخل والخارج، لكن هذه الورقة احترقت:
– بفقدان الجنوب خسروا النفط.
– بتحرر الغرب فقدوا الذهب ، الصمغ ، الماشية والحدود والكتلة السكانية.
– ومع انكشاف الشرق خرجت الموانئ من دائرة التوظيف السياسي.
لم يعد لديهم اقتصاد دولة، بل اقتصاد حرب يلتهم ما تبقى من البلاد ولا يصنع شرعية.
وعندما تفقد الأنظمة الشمولية السردية والموارد معاً، فإنها تدخل مرحلة أخطر:
مرحلة التخريب كخيار أخير…
وهي مرحلة لا تنقذ أصحابها، بل تعجّل نهايتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى