


في هذا الجانب نتناول واحداً من ملفات الفساد التي ارتبطت باسم القيادي في ما يُعرف بالحركة الإسلامية، علي أحمد كرتي، والقيادي في حزب المؤتمر الوطني المحلول، والمسؤول عن تأجيج الحرب التي يشهدها السودان حالياً.
فساد كرتي لا يمكن حصره خلال الثلاثين عاماً التي تولّت فيها الحركة الإسلامية الحكم في البلاد، لكن في هذا السياق سنتطرق لفساده في ملف الأراضي فقط.
في المنطقة الواقعة بالقرب من السوق المركزي بمدينة الخرطوم بحري، تعانق السماء مئذنة مسجد ملفتة للأنظار، كما بُني المسجد نفسه على الطراز الحديث، يلحظه المارّون بشارع المعونة. عرَف السودانيون الساكنون في تلك المنطقة ذلك المسجد المختلف عن باقي المساجد بـ”جامع كرتي”.
ذلك المسجد الذي بناه القيادي الإسلامي المعروف وأشرف على تجهيزه، أخذ اسماً رسمياً له دلالات إسلامية، لكنه ارتبط باسم كرتي شعبياً. ذلك الارتباط لم يأتِ من باب نسب الإحسان إلى صاحبه، بل من جانب السخرية والتهكم على شخص عاث في الأرض فساداً وقتلاً، لا يحاول خداع الناس فقط، بل تعدّاه إلى التلاعب بالدين والظهور بمظهر المتدين الورع.
سيعرف السودانيون لاحقاً بأن المسجد الذي بُني في حي شمبات كان واحداً من مفاتيح اكتشاف فساد علي كرتي، حيث أعلنت لجنة إزالة التمكين في فترة الحكومة الانتقالية امتلاكه لنحو 99 قطعة أرض من الدرجة الأولى، واقعة في ذات الحي وموزعة حول الجامع! إذاً، لم يُبنَ المسجد تقرباً لله، بل بُني كعملية تغطية وخداع للمواطنين، لينشغلوا بأمر المسجد المهيأ بكل سبل الراحة عن حجم الأراضي المهول الذي يمتلكه كرتي في هذه المنطقة.
لم تكن تلك الأراضي الوحيدة التي امتلكها، بل تعدّاها إلى مناطق أخرى مميزة في العاصمة الخرطوم. توزعت الأراضي التي يمتلكها بين أحياء: “الحلفايا، الحاج يوسف، نبتة، الجريف غرب، شرق النيل، الأملاك، شمبات”.
وبلغ مجموع تلك الأراضي 549 قطعة أرض في ولاية الخرطوم. تلك المساحات الواسعة من القطع السكنية بلغت جملتها ما يزيد على 250 ألف متر مربع! كان كرتي يعتمد منهج الفاسدين في تسجيل الأراضي في السجلات، حيث وُجد بعضها مسجلاً باسم السفيرة أميرة داؤود حسن قرناص، زوجته التي تقلدت عدداً من المناصب الدبلوماسية بالمحسوبية المرتبطة بزوجها.
كما وُجدت بعض الأراضي مسجلة باسم أفراد عائلته وهم: “بابكر أحمد علي كرتي، وعطا محمد حماد كرتي، وأسعد عثمان علي كرتي”، وبلغت تلك الأراضي التي سجلها بأسماء أقاربه نحو 450 قطعة أرض، في عملية تضليل داخل سجلات الأراضي ومحاولة إخفاء ملكيتها.
ذلك الاستغلال الذي كان يمارسه بحكم موقعه في التنظيم وعمله في الأجهزة الأمنية والعسكرية، خلال تقلده لمناصب قيادية في الدولة، حيث امتلك تلك الأراضي سابقة الذكر في الفترة التي شغل فيها مناصب: “وزير الدولة بوزارة العدل في الفترة من العام 2001 حتى 2005″، ووزيراً للدولة للشؤون الخارجية في الفترة من “2005 حتى 2010″، ثم وزيراً للخارجية من العام “2010 حتى 2015”.
خلال الفترة الانتقالية، وعقب سقوط نظام البشير، أخفى نفسه وكان تحت الحماية المباشرة من القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وكان يتحرك بصحبة ضباط من الاستخبارات العسكرية يوفرون له الحماية ومعلومات التحرك، وفشلت حكومة الفترة الانتقالية عدة مرات في إلقاء القبض عليه.
نختتم فساده المتعلق بالأراضي بملف استيلائه على مشروع الحديب الزراعي بمحلية الجبلين في ولاية النيل الأبيض، حيث وُقّع في أبريل 2017 عقد بين لجنة مزارعي مشروع الحديب وشركة ركاز العالمية للاستثمار المحدودة، المملوكة له، لتطوير 2000 فدان زراعي. تضمن العقد الذي وُقّع لمدة 20 عاماً التزامات من الشركة تشمل تركيب مضخات وصيانة قنوات الري وتوصيل الكهرباء، لكنها لم تُنفذ، وكان ذلك العقد نفسه مخالفاً لقانون الاستثمار السوداني. في سبتمبر 2021 أصدرت لجنة إزالة التمكين قراراً بإلغاء العقد وإرجاع ملكية تلك الأراضي للدولة.
وفي الجانب المرتبط بعائلته أيضاً، حصل شقيقه مصطفى أحمد كرتي على 500 فدان زراعي عبر شركة المؤيثر للإنتاج الزراعي، وحصل نجله أسامة علي كرتي على قطعة 300 فدان في مشروع “مروج المها للإنتاج الزراعي” في منطقة الدبة في الولاية الشمالية.



