نقف الان في مواجهة تساؤل وجودي لا يقبل التأجيل: هل نحن محكومون بالخضوع لقدر خطه الاستبداد، أم أن إرادة التغيير هي القانون الأسمى الذي يجب أن يسود؟
عبدالله مكي
إن الدولة في أصل فكرتها الفلسفية والسياسية لم تقم إلا لتكون حارساً على الحقوق، ومنظماً للحريات، وملاذاً آمناً يحتمي به الضعيف من تغول القوي، فإذا ما تحولت هذه المؤسسة إلى أداة لانتهاك الحريات، وتجاوز القانون، وارتكاب الجرائم في حق مواطنيها مع ضمان الإفلات من العقاب، فإننا هنا لا نتحدث عن “دولة” بالمعنى الحضاري، بل عن منظومة تعيش خارج سياق التاريخ والقيمة الإنسانية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الألم الذي نعيشه اليوم، بل في تلك البصمة المشوهة التي نتركها للأجيال القادمة؛ فحين يتربى الطفل في بيئة لا تحترم القانون، فإنه ينشأ بإدراك مشوه لمفهوم العدالة، حيث يرى أن القوة هي الحق، وأن الصمت هو النجاة، وأن التجاوز هو السبيل الوحيد للبقاء. هذه الفوضى الأخلاقية والسياسية تخلق أجيالاً فاقدة للثقة في الانتماء، ومغتربة داخل أوطانها، مما ينذر بانهيار النسيج الاجتماعي تماماً، إذ لا يمكن لمجتمع أن يستمر إذا ما أصبحت الجريمة فيه سياسة، والمحاسبة فيه استثناءً.
إن السؤال عن “القدر” في هذا السياق هو فخ ذهني يراد منه تكبيل الإرادة، فالأوطان ليست قدراً محتوماً بشكلها الحالي، بل هي سيرورة تاريخية تصنعها أيدي الشعوب وعقولها، والتمرد هنا ليس دعوة للفوضى، بل هو فعل أخلاقي لاستعادة قدسية القانون، وهو إصرار على أن تكون الدولة خادمة للمواطن لا سيدة عليه بسوط القمع. إن التغيير يبدأ بكسر حاجز الخوف الذهني، وبالإيمان بأن الصمت هو الوقود الذي يغذي آلة الاستبداد، فكل تراجع عن حق صغير هو تمهيد لضياع حق أكبر، وكل إفلات من العقاب يمر دون استنكار هو ضوء أخضر لجريمة قادمة.
إن مستقبلنا ومستقبل الأجيال التي تلينا يعتمد بالدرجة الأولى على مدى شجاعتنا في تعريف “الرفض” وتجسيده، ليس كصراخ عابر، بل كمنهج حياة يسعى لبناء دولة المؤسسات التي تخضع فيها السلطة للرقابة، ويكون فيها القانون سيفاً على رقاب الجميع دون تمييز. نحن لسنا مجبرين على توريث الهزيمة والخوف، بل نحن مدينون لأبنائنا بوطن يحترم إنسانيتهم، وطن لا يرتجفون فيه من وقع أقدام السلطة، بل يشعرون فيه بالفخر لأنهم مواطنون أحرار في دولة تحميهم ولا تنهش في أجسادهم وأحلامهم، فالتاريخ لا يرحم المتفرجين، والحرية لا تُمنح كهدية، بل تُسترد كحق أصيل لا يقبل المساومة.



