
بقلم:د. كمال محمد الأمين عبد السلام 

ما يمكن أن تتصوره أو تتخيله وقد يخطر لك أنه في دائرة الرياضة وحدها، فإذا هو في دائرة القانون والعدل والضمير الإنساني كله. وما أكثر ما يُخطئ الناس حين يظنون أن الملعب مكانٌ للعب دون سواه، وأن ما يجري فيه لا يعدو أن يكون مناورات بالكرة وصياحاً من المدرّجات. كلا، إن الملعب حين يُنتهك فيه القانون يصبح مسرحاً للظلم، لا فرق بينه وبين أي قاعةٍ يُصدر فيها قضاةٌ أحكاماً على غير هدىً.
وأنا، هنا قرأت مقال للمستشار النابهة الأستاذ معاوية أبو الريش عن مشاركة اللاعب حمزة الموساوي في مباراتَي الذهاب والإياب، بين الهلال ونهضة بركان أجد نفسي أمام سؤالٍ واحدٍ بسيطٍ في صياغته، بعيد الغور في دلالته: أيعقل أن يصدر قرارٌ بالإيقاف ثم يُرفع في اليوم ذاته دون سببٍ مُعلَن، ولا تفسيرٍ مكتوب، ولا بيانٍ رسمي؟
أولاً: ما تقوله اللوائح، وما لا تقبله :
إن اللوائح — ليست حروفاً يكتبها موظفون في غرفٍ مغلقة، ثم يُعلَّق بها على الجدران زينةً وزخرفة. اللوائح هي العقد الذي تتراضى عليه الأندية وتُودع فيه ثقتها في المؤسسة المنظِّمة. ولوائح الاتحاد الأفريقي لكرة القدم في مسألة المنشطات ليست نصاً إفريقياً منفرداً، بل هي وأبن شرعي للمنظومة الدولية لمكافحة المنشطات “WADA”، وتشترك معها في مبدأٍ أصيل مفاده: أن وجود المادة المحظورة في جسد اللاعب كافٍ وحده لإيقافه، بصرف النظر عن النية والقصد.
وقد نصّ القانون التأديبي للكاف في أحكام المشاركة غير المشروعة على أن النادي الذي يُشرك لاعباً موقوفاً في دورٍ إقصائي يستحق أحد جزاءين لا ثالث لهما: إما تسجيل الخسارة في حقه، وإما الإقصاء من المسابقة كلها. وما كان هذا النص ليُصاغ لو لم يكن الاتحاد مدركاً أن للإغراء مداخل خفية، وأن بعض الأندية قد تمشي في درب الإهمال أو الاستهتار. وأكثر من ذلك، فإن لوائح المسابقات تُلزم لجنة المسابقات بإخطار الأندية المعنية بأسماء الموقوفين قبل المباراة، وهذا الإخطار حدث بالفعل — أُخطر الهلال السوداني رسمياً يوم الحادي عشر من مارس — فلا عذرَ لمن ادّعى الجهل، ولا ملاذَ لمن تذرّع بالمفاجأة.
ثانياً: متى يجوز رفع الإيقاف المؤقت؟ وهل انطبق شيءٌ منه هنا؟
لكي أكون منصفاً — وأنا أحب الإنصاف حتى حين يُثقلني — فلن أدّعي أن رفع الإيقاف جريمةٌ بالضرورة. فاللوائح ذاتها تُجيز رفع الإيقاف المؤقت في حالاتٍ محددة بعينها:
الأولى أن يكون اللاعب قد حصل على إعفاء علاجي مُعتمد (TUE) مسبقاً من الجهة الطبية المختصة. والثانية أن يُثبَت التلوث الخارجي بدليلٍ علمي دامغ يُثبت انعدام الخطأ الشخصي للاعب كلياً. والثالثة أن تقبل هيئة الاستئناف طعن اللاعب وتأمر بتعليق تنفيذ الإيقاف ريثما تبتّ في القضية. والرابعة ببساطة انقضاء مدة العقوبة بصورةٍ طبيعية.
والسؤال الذي يفرض نفسه — وهو السؤال الذي لم يُجِب عنه الاتحاد الأفريقي حتى الآن — هو: أيٌّ من هذه الحالات الأربع وقعت؟ فإن كانت وقعت فليُخبرنا الاتحاد، وليُرِنا الوثيقة، وليقرأ الناس ما كُتب بأعينهم لا بأعين المسؤولين. وإن لم تقع، فنحن أمام رفعٍ لا سندَ له في اللائحة ولا مستندَ له في القانون.
ثالثاً: سابقة مشابهة لا ينبغي إغفالها :
ولعلّ المستشار معاوية أبو الريش يسألني: هل حدث هذا من قبل؟ وهل عرف الاتحاد الأفريقي كيف يتصرف في مثله؟
نعم، حدث. ففي عام 2023، أُوقف لاعبٌ تنزاني خلال دور المجموعات في دوري الأبطال، ثم تبيّن أن ناديه أشركه في مباراةٍ لاحقة إبان الإيقاف بسبب خلل في قائمة التسجيل. فأصدرت لجنة الانضباط قرارها بتسجيل الخسارة للنادي المخالف بنتيجة 0-3، وهو الجزاء الافتراضي المنصوص عليه. وقبل ذلك، في البطولات الأوروبية التي تسير عليها الكاف هدياً في مسائل الانضباط، صدرت عقوباتٌ مماثلة في قضايا عدة، كان آخرها قضية نادٍ يوناني جرّده الاتحاد الأوروبي من نتيجة مباراتين بعد ثبوت مشاركة لاعبٍ موقوف بموجب لوائح المنشطات.
فالقاعدة إذن مُجرَّبة، والأمثلة حاضرة، والسابقة واضحة. ولم يبقَ إلا أن يُطبَّق على نهضة بركان ما طُبِّق على سواه. فالعدالة التي تنتقي مخدوميها تفقد اسمها وتستحق أن تُسمى بغيره.
رابعاً: في سؤال النفوذ :
لن أقول في فوزي لقجع ما لم يثبت، فذلك ليس من ديدني ولا من أسلوبي. غير أن التساؤل المشروع الذي أثاره الأستاذ معاوية لا يمكن إسكاته بالتجاهل. فحين يجتمع في شخصٍ واحدٍ رئاسةُ لجنة المسابقات ولجنة المالية ولجنة الأندية في الكاف، وحين تكون له صلةٌ تاريخية بالنادي المستفيد من قرار الرفع، فإن المؤسسة المنظِّمة تقع عليها مسؤوليةٌ مزدوجة: إما أن تُفسّر وتُثبت أن القرار سليمٌ وله مرتكزٌ قانوني، وإما أن تتحمل تبعات الصمت الذي يملأه الناس بتفسيراتهم الخاصة. وكلا الموقفين أهوَن على المؤسسة من أن تظل صامتةً يوم تُحاسَب في محافل التحكيم الرياضي الدولي.
ختاما:
أيها القارئ، إن الهلال السوداني نادٍ يلعب في المنفى القسري، مُبعَدٌ عن ملعبه وعن أهله وعن ترابه، يحمل على كاهله ثقل شعبٍ أثخنته الحرب وآلمته المحن. أن يلجأ هذا النادي إلى القانون فهذا حقه الطبيعي وهذا سبيله المشروع. وأن تُجيبه المؤسسة بلغة اللوائح لا بلغة المصالح، فهذا واجبها الأصيل.
والقرار الذي تنتظره غداً ليس حكماً في نزاعٍ رياضي فحسب. إنه في جوهره حكمٌ على سؤالٍ أعمق: هل تُساوي القاعدة بين الجميع أم أنها تنحني حين تمر بمقربةٍ من النفوذ؟
وأنا — والحق يُقال — لستُ متشائماً من طبيعتي. لكنني أعرف أن التاريخ يحفظ كل شيء، وأن محكمة التحكيم الرياضي الدولية في لوزان لا تُطرّب لخطب المؤتمرات، ولا تنظر إلى صور القادة في قاعات الاحتفال. إنها تقرأ الوثائق فحسب، وتنطق بما تقوله الأوراق.
تحياتي



