الأعمدة

في الردّ على الأستاذ مجدي عكاشة: أيُحاوَر مَن جعل الدمَ غايةً لا وسيلة

د.كمال محمد الامين
قرأتُ ما كتبه الأستاذ مجدي عكاشة، فوجدتُني أمام رجلٍ ذكيٍّ يحسن توصيف الداء، غير أنه حين انتهى إلى الدواء يخطئ الطريق إخطاءً بيّناً. يدعونا الأستاذ إلى الحوار مع الإسلاميين وإشراكهم في العملية السياسية، وكأنما الحوار فضيلةٌ في ذاته، لا تُسأل عن شرطها ولا عن غايتها ولا عمّن تُجريه معه.
وليس في هذا القول جديد، فقد قاله قائلون قبله، ولكنه في هذا التوقيت بالذات — والسودان يتشرّب دماء أبنائه يوماً بعد يوم — يبدو وكأنه دعوةٌ إلى إطفاء النار بالزيت.
اليك ما قاله الفقهاء والعقلاء في الحوار مع من أبى
لم يكن العقلاءُ والفقهاء في تاريخنا الطويل يدعون إلى الحوار دعوةً مطلقةً لا قيد فيها ولا شرط. فقد فرّق الإمام ابن تيمية — وهو من أشدّ المتكلمين في السياسة الشرعية — بين البغاة الذين يُحاربون لتأويل يعتقدونه، وبين أهل الإفساد الذين لا يُريدون إلا الغلبة والتسلّط. وقرّر أن الأولين يُناظَرون ويُحاوَرون، أما الآخرون فالحكمة في كفّ شوكتهم لا في إشراكهم.
وفي المقابل، قال الإمام الماوردي في *الأحكام السلطانية* ما معناه أن التفاوض لا يُجدي مع طرفٍ لا يرى للآخر حقاً في الوجود، لأن التفاوض في أصله قائمٌ على مبدأ الاعتراف المتبادل.
فأيّ اعترافٍ نرجوه من قومٍ جعلوا شعارهم “فلترقْ منهم دماء أو ترقْ كلّ الدماء”؟
ما قالته التجربة الإنسانية
يستأنس المولعون بالحوار المطلق بتجارب جنوب أفريقيا وأيرلندا وكولومبيا، وهي تجارب جديرةٌ بالتأمل، غير أنهم يُغفلون شرطها الجوهري الذي لا يُذكر: أن كل هذه الأطراف التي جلست إلى طاولة التفاوض كانت قد آمنت — ولو كرهاً وتحت ضغط الميدان — بأن الحرب لن تُحقق لها النصر الكامل، وأن ثمة شريكاً في الوطن لا مناص من الاعتراف به.
أما الإسلاميون في السودان اليوم — وهم يُديرون الحرب ويُوقّتون معاركها ويُمسكون بخيوط الدولة العميقة — فلم يُبدوا لحظةً واحدة ما يوحي بأنهم بلغوا هذا الإيمان. بل كلّ مؤشراتهم تقول عكس ذلك: يُطيلون الحرب، ويرفضون الحلول، ويُعطّلون المفاوضات كلما اقتربت من نتيجة.
فكيف نُقيس السودان على من آمن بالشريك، ونحن نتحدث عمّن أعلن إفناء الشريك؟
في التناقض المنهجي لدعاة الحوار
والعجيبُ في أمر دعاة الحوار هذا أنهم يقعون في تناقضٍ لا يُجيبون عنه. يقولون: إن الإسلاميين متغلغلون في كل مفاصل الدولة، قادرون على الانقلاب وإشعال الحرب وإطالة أمدها. ثم يقولون في الجُملة التالية مباشرةً: أشركوهم في العملية السياسية لتستقيم الأمور.
فأيّ عمليةٍ سياسية هذه التي يدخلها مَن بيده الميليشيا والمال والقضاء والإعلام وشبكة العلاقات الدولية؟ وما الذي يمنعه — وهو على هذه القوة — من أن يُجهض العملية السياسية ذاتها في اللحظة التي لا تُلائم مصلحته؟
إن الحوار أداةٌ لا قيمة مطلقة، وفاعليّته مشروطةٌ بتوازنٍ ما بين الأطراف، أو برغبةٍ حقيقية في الحلّ. وحين يغيب الشرطان معاً، لا يكون الحوار حلاً بل يكون غطاءً لاستمرار الأذى.
في قادة السلام وقادة الخطابة
لقد أفلحَ الأستاذ مجدي في شيءٍ واحد لا أُنكره: أنه كتب كتابةً جيدة، ووصف المأساة وصفاً مؤثراً. غير أن الكتابة الجيدة ليست سياسة، والتأثير العاطفي ليس مشروع حلّ.
قال طه حسين ذات يوم ما مفاده أن أشدّ الناس غروراً ليس مَن يدّعي الحكمة، بل مَن يُسمّي الاستسلام تسامحاً والضعف حواراً. فالحوار مع مَن آمن بالإقصاء إكراهٌ للغة وتزويرٌ للمفاهيم، ودعوةٌ للشعب المنكوب إلى أن يثق فيمن أحرق بيته بأن يُعيد بناءه.
وخلاصة القول أن السودان لا يحتاج إلى المزيد من قادة الكلمة الطيبة. يحتاج إلى قادة يُدركون أن السلام صناعةٌ تحتاج قبل كل شيء إلى تشخيصٍ صادق: ومن التشخيص الصادق أن يُقال بوضوح — لا تُبنى الدولة بمَن هدمها عمداً، ولا يُصنع السلام بمَن اختار الحرب مذهباً وديناً.

زر الذهاب إلى الأعلى