الأعمدة

*أبو جلال الجريري.. سبعون عامًا من العشق الأصفر*

_بقلم: عثمان الغتنيني_
كرة القدم تُسمى المجنونة لأنها تُجنّ العاقل، فكيف بمن وُلد والجنون يسري في دمه؟ هذا هو حال أبو جلال الجريري، ابن الحافة البار، الذي تجاوز السبعين من عمره وما زال قلبه شابًا في العشرين كلما ذُكرت البرازيل.
رحلته مع السامبا بدأت باكرًا، لكنها تجذّرت في غربته بالكويت أيام الزمن الجميل. هناك، في شوارع حولي والسالمية العامرة بأبناء حضرموت، كان أبو جلال يحمل ولاءين: ولاء للأهل، وولاء لـ الأصفر. ديوانيته في الغربة لم تكن مجرد مجلس، بل كانت سفارة غير رسمية للبرازيل. علم ضخم يغطي الجدار، وقمصان بيليه وزيكو والظاهرة رونالدو معلقة كأنها أيقونات مقدسة. وإذا حان موعد مباراة البرازيل، أغلق متجره، وأطفأ هاتفه، واعتزل الدنيا، لأن لديه “موعدًا مع الجنون كما يسميه.
لكن جنون أبو جلال ليس صراخًا فارغًا، بل هو علم غزير. الرجل موسوعة برازيلية تمشي على قدمين. تحدّه إن استطعت. اسأله عن تشكيلة البرازيل في نهائي كأس العالم 1970، سيرد عليك دون أن يرمش فيليكس، كارلوس ألبرتو، بريتو، بيازا، إيفرالدو، كلودوالدو، جيرسون، ريفلينو، جارزينيو، توستاو، بيليه”. ثم يزيدك من الشعر بيتًا: “وهدف كارلوس ألبرتو في الدقيقة 86، بعد هجمة من ثماني لمسات”. أقسم أنك لو سألت شابًا من ريو دي جانيرو لتلعثم، أما أبو جلال فذاكرته لا تخون السامبا أبدًا.
هذا العشق لم يبقَ حبيس صدره، بل فرضه دستورًا في “البيت الأصفر”. نعم، بيته كله برازيلي الأبناء، الأحفاد. حتى الرضيع لا يسكن بكاؤه إلا إذا ألبسوه قميص البرازيل. مازحته ذات يوم: “يا أبو جلال، خلي واحد من العيال أرجنتيني عشان تحلو المناكفات”. نظر إليّ بصرامة الأب الحكيم وقال جملة صارت دستورًا: ممنوع دخول الأرجنتين، ومن يخالف يُطرد مع عقوبة ضحكنا طويلًا لكننا أدركنا أن الرجل يتكلم بجدية العاشق.
وهنا يسأل السائل: إذا كان البيت كله برازيليًا، فأين متعة المشاهدة؟ مع من يتشاجر؟ سألته هذا السؤال فأجابني بفلسفة لا يتقنها إلا الكبار: *”يا ولدي، نحن ما نشجع عشان نتعارك. نشجع عشان نستمتع. اللعب الحلو، اللمسة اللي تسكر، المراوغة اللي تخليك توقف تصفق.. هذا هو المذهب. البرازيل متعة، والمجنون من يترك المتعة ويدور المشاكل
حينها فقط فهمت أن أبو جلال ليس مجنونًا، بل هو أعقلنا. في زمن تحول فيه التشجيع إلى حرب، بقي هو يبحث عن الجمال. علّمنا أن تحب الفن حتى لو خسر، وأن الوفاء لفريق لا يعني كراهية الآخرين.
فيا أبو جلال، يا شيخ السامبا، ويا من حملت راية البرازيل من الحافة إلى الكويت وعدت بها مرفوعة.. أطال الله في عمرك. ستبقى ديوانيتك عامرة، وسيبقى “الأصفر” في قلبك وطنًا لا يموت. وإذا خسرت البرازيل يومًا، فاعلم أنك أنت من انتصر، لأنك انتصرت للجمال والذوق والوفاء.

زر الذهاب إلى الأعلى