الترحيب الذي قوبل به بعض الفاعلين السياسيين في محافل مؤتمر برلين نمط متكرر لإعادة تدوير النخب

عبد الله مكي
الترحيب الذي قوبل به بعض الفاعلين السياسيين في محافل مؤتمر برلين لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع لأزمة السودان فهو يعكس، في جوهره، نمطًا متكررًا من إعادة تدوير النخب ذاتها، بغض النظر عن أدوارها السابقة أو مسؤولياتها السياسية والأخلاقية في تعقيد المشهد وإفشال فرص الانتقال. حين يُستقبل من ارتبط اسمه بإضعاف حكومة الثورة أو بالمساهمة في خلق بيئة الانقسام والاضطراب، دون مساءلة أو حتى مراجعة نقدية واضحة، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع ليست رسالة تسوية بقدر ما هي إشارة إلى أن الذاكرة السياسية يمكن القفز فوقها بسهولة.
المشكلة هنا لا تتعلق بشخص بعينه بقدر ما تتعلق بمنهج كامل في إدارة الأزمات، يقوم على التسويات السريعة التي تتجاوز جذور الخلل، وتعيد إدماج الفاعلين أنفسهم تحت لافتات جديدة، وكأن ما حدث لم يكن. هذا النمط أثبت، تاريخيًا، أنه لا ينتج استقرارًا مستدامًا، بل يؤسس لدورات متكررة من الفشل، حيث يتم تأجيل الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالمسؤولية والمحاسبة، لصالح ترتيبات مرحلية هشة سرعان ما تنهار عند أول اختبار حقيقي.
الحديث عن المصالحة في سياق مثل السودان لا يمكن أن يكون ذا معنى إن لم يستند إلى قاعدة واضحة من العدالة. المصالحة التي تتجاهل الألم العام، وتتجاوز الانتهاكات، ولا تضع معايير دقيقة للمساءلة، تتحول عمليًا إلى غطاء لإعادة توزيع المواقع السياسية، لا إلى عملية شفاء وطني. بل إنها قد تعمّق الشعور بالغبن، وتُفقد أي عملية سياسية ما تبقى لها من مصداقية في نظر المواطنين الذين دفعوا كلفة الصراع.
كما أن الاحتفاء الرمزي، بما يحمله من صور ورسائل، ليس أمرًا هامشيًا؛ فهو جزء من تشكيل الوعي العام. عندما تُلتقط الصور في لحظات احتفاء، دون اعتبار للحمولة السياسية والأخلاقية للأشخاص، فإن ذلك يعزز الانطباع بأن المعايير قد اختُزلت في القدرة على البقاء داخل اللعبة السياسية، لا في الالتزام بقيم الثورة أو مصلحة الشعب.
السودان، وهو يواجه واحدة من أعقد مراحله، لا يحتمل مزيدًا من إعادة إنتاج ذات الصيغ التي قادته إلى هذا المأزق. الاستقرار لن يأتي من تحالفات ظرفية أو من توسيع دائرة المشاركة الشكلية، بل من بناء عقد سياسي جديد يقوم على وضوح المعايير، وعلى ربط العمل السياسي بالمسؤولية والمحاسبة. العدالة هنا ليست شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل شرط عملي لأي عملية انتقال حقيقية؛ فهي التي تضع حدًا للإفلات من العقاب، وتعيد تعريف من يحق له تمثيل الناس، وعلى أي أساس.
من دون ذلك، سيظل المشهد يدور في حلقة مفرغة، حيث تتغير الوجوه أحيانًا، لكن تبقى القواعد ذاتها، وتبقى معها الأزمة قائمة، تتجدد بأشكال مختلفة، بينما يواصل المواطن دفع الثمن.



