الأعمدة

تأملات في الإبداع المفقود

عبد الكريم البليخ
أصبح “فيسبوك” اليوم ملجأً للكثيرين للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، وللبوح بما يجول في خواطرهم من هموم وشكاوى. هذه الظاهرة، التي قد تبدو إيجابية وتستحق التشجيع، تحمل في طياتها مشكلة كبيرة. فالكثير مما نقرأه على صفحات الأصدقاء ليس سوى محتوى منقول، أو منسوخ، أو مقتبس من مواقع وصفحات أخرى، سواء عبر “فيسبوك”، “تويتر”، أو حتى “جوجل”.
هذا السلوك، الذي قد يغني البعض عن الإبداع، يعتمد ببساطة على النسخ واللصق، ومن ثم نسب جهد الآخرين لأنفسهم. هؤلاء الذين يدّعون أنهم أصحاب الأفكار يكتفون بتزيين صفحاتهم بنتاج عقول غيرهم، بينما هم في الحقيقة لا يعرفون أبجديات الكتابة أو التعبير. في وضح النهار، يتحايلون على المتابعين ويخفون عجزهم وراء كلمات ليست لهم، ويتغنون بها على أنها من إبداعهم الخاص.
يا له من أمر محزن ومثير للتساؤل! لماذا لا يجتهد هؤلاء في تقديم أنفسهم بصدق؟ لماذا لا يبتعدون عن انتهاك حقوق الآخرين الفكرية؟ أليس من الأفضل أن يُظهروا بوحهم الحقيقي، مهما كان بسيطاً، بدلاً من الادعاء بامتلاك أفكار لا تخصهم؟
كان الأمل أن تكون المشاركات التي نقرأها على وسائل التواصل الاجتماعي نابعة من بنات أفكار أصحابها، وأن تعبّر عن جهودهم الشخصية. لكن الواقع مختلف تماماً. أغلب المنشورات التي نراها اليوم هي نسخ من مقالات وأفكار تعود لعلماء، أدباء، وكتّاب مرموقين، يتم اقتباسها دون أدنى تقدير لأصحابها، ودون الإشارة إلى مصدرها.
إنّ الإبداع ليس في تزوير الحقائق أو الادعاء بامتلاك أفكار الغير، بل في تقديم ما يميّزنا، وما يعبّر عن ذواتنا بصدق. علينا أن نفيق، وأن نعيد النظر في الطريقة التي نتفاعل بها مع هذا الفضاء الرقمي، وأن نحترم جهود الآخرين ونبتعد عن نسخها وسرقتها.
لعلّ المستقبل يحمل تغييراً في هذه العادة المقلقة، ولعلّنا ندرك يوماً أن الإبداع الحقيقي يكمن في الصدق والعمل الجاد، لا في الادعاء والنسخ واللصق.

زر الذهاب إلى الأعلى