الأعمدة

الأستاذ ياسر عرمان و(الميلاد الثاني) – حين تتقدّم الثورة ويتأخر الخطاب

1-2
خالد كودي، بوسطن
في منبر آفاق جديدة عُقدت ندوة فكرية قدّمها الدكتور صديق الزيلعي، استضاف خلالها الأستاذ ياسر عرمان، الذي عرض أطروحة فكرية استندت إلى ورقته الصادرة في 20 سبتمبر 2017 بعنوان: «نحو ميلادٍ ثانٍ لرؤية السودان الجديد: لماذا فشلنا؟ وكيف نفتح طريق المستقبل». يقال انه جاءت الندوة في سياق المراجعات الفكرية والسياسية الجارية داخل التيارات السودانية، وعُقدت مساء الأحد 11 يناير 2026
ورغم أنني لم أتابع الندوة مباشرة، فقد اطّلعت على الورقة موضوع النقاش، وأتناولها في هذا المقال بالتعليق.

في البدء، لا بدّ من الإقرار بأن رؤية السودان الجديد ليست ملكًا لشخصٍ أو جيلٍ واحد، بل هي تراكم تاريخي شاركت في صناعته أجيال من المناضلين والمفكرين والمقاتلين والناشطين. وفي القلب من هذا التراكم يقف الدكتور جون قرنق دي مبيور بوصفه من صاغ البنية الأولى للفكرة كـ مشروع دولة حديثة لا كبرنامج إصلاح سياسي داخل دولة قائمة، ثم تتابعت الأجيال: جيل المؤسسين الأوائل، ثم جيل لاحق من القيادات والمفكرين—ومنهم الأستاذ ياسر سعيد عرمان—الذي لا يمكن إنكار مساهمته في الاشتغال الفكري والتنظيمي على مفهوم السودان الجديد، مهما اختلفنا نقديًا مع تموضعاته أو لغته السياسية في لحظات بعينها، وله تحية مستحقة.
غير أنّ التحية التاريخية لا تعني تعليق النقد. فموضوع هذه الورقة ليس “الأشخاص” بل الخطاب: ما الذي تقترحه ورقة “الميلاد الثاني” من منظور الثورة التأسيسية الجارية؟ وهل تقدّم بالفعل انتقالًا نوعيًا في التفكير السياسي، أم أنها تعيد إنتاج تصور قديم عن “التجديد” بوصفه تعديلًا داخل بنية الدولة القديمة؟
تجادل هذه الورقة (أي ورقتنا النقدية) بأن خطاب “الميلاد الثاني لرؤية السودان الجديد”—على الرغم من استدعائه مفردات التحرر الوطني—ينطوي على أزمة مفاهيم ومنهج: إذ يخلط بين تجديد الرؤية وتخفيف تناقضاتها، وبين التأسيس والإصلاح، وبين مواجهة الدولة القديمة وإعادة التكيّف معها. والنتيجة: نصٌّ أقرب إلى “إعادة تدوير إصلاحية” لرؤية تاريخية، لا إلى تثويرها وفق شروط السودان الراهن الذي لم يعد يعيش أزمة حكم، بل يعيش أزمة دولة.
ومن هنا تُصرّ هذه الورقة على حقيقةٍ فاصلة:
أن السودان الجديد كما تبلور داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال لم يعد يقبل البقاء في مساحة المراجعة الخطابية أو التجديد الأخلاقي وحسب، بل انتقل بوضوح إلى أفق التأسيس الجذري الذي لا يحتمل المواربة أو التسويات الرمزية. أفقٌ يقوم على ركائز محددة لا لبس فيها:
١/ دولة علمانية: لا “مدنية” رمادية، ولا تأجيل لمسألة فصل الدين عن الدولة تحت ذرائع التوافق أو الحساسية الثقافية.
٢/ حق تقرير المصير: بوصفه ضمانة سياسية مشروطة بالعلمانية ودولة المواطنة المتساوية، لا تهديدًا للوحدة.
٣/ ديمقراطية تأسيسية: لا تُختزل في انتخابات داخل دولة مختطفة، بل تُبنى على عقد اجتماعي جديد قوامه مبادئ فوق دستورية غير قابلة للالتفاف.
٤/ لا مركزية سيادية: لا نقل خدمات أو صلاحيات إدارية، بل تفكيك مركز الهيمنة وإعادة توزيع السلطة والثروة والسلاح.
٥/ عدالة تاريخية: لا عدالة انتقالية تقنية تُبرّئ بنية الدولة وتُدين أفرادًا، بل مساءلة جذرية للتاريخ المُؤسِّس للعنف والإقصاء.
٦/ تفكيك الجيش القديم وبناء جيش جديد: لأن الجيش القديم لم يكن حارسًا للدولة، بل جزءًا أصيلًا من بنيتها، بعقيدة وامتيازات أسهمت مباشرة في إنتاج الحرب.
بهذه الركائز، يطرح السودان الجديد نفسه لا بوصفه تحسينًا لما كان، بل قطيعة واعية مع دولة أثبت التاريخ عجزها عن إنتاج السلام والمواطنة والعدالة.
بهذا المعنى، فإن أي خطاب—مهما تزيّن ببلاغة السودان الجديد—لا يحسم هذه القضايا حسمًا بنيويًا، يظل خارج منطق الثورة، لأنه يطالب الناس عمليًا بأن يثقوا في “تحسين شروط الحياة” داخل نفس البنية التي جعلت الحياة مستحيلة.
وهنا تبرز نقطة جوهرية تستحق الوقوف عندها عبر مفارقة داخل نص الأستاذ عرمان نفسه: فهو يقر—بوضوح سياسي—أن الجماهير التي استقبلت قرنق كانت تتطلع إلى السلام، والمواطنة المتساوية، والحريات، والخدمات الأساسية، وإنصاف النساء، والعمل… أي أنها كانت تريد تحسين شروط الحياة بوصفها ترجمة ملموسة لمشروع السودان الجديد.
لكن السؤال النقدي الحاسم الذي يجب أن يواجه ورقة “الميلاد الثاني” هو:
هل قدّمت الورقة طريقًا ثوريًا لتحقيق هذه المطالب عبر تفكيك الدولة التي تمنع تحققها؟
أم أنها صاغت حلًّا إصلاحيًا “آمنًا” لا يصطدم بالبنية المؤسسة للعنف، بحيث تُترك القضايا الجوهرية للمهمشين معلّقة على أمل أن تلتحق بها النخب لاحقًا أو تتكرم عليها الدولة القديمة بصورة محسّنة؟
إن تحسين شروط الحياة—كما يُفهم في أفق السودان الجديد—ليس برنامج خدمات يُضاف إلى دولة قائمة، بل هو نتيجة مباشرة لتغيير طبيعة الدولة:
– لا سلام بلا علمانية تفكك اقتصاد الحرب الديني–الأيديولوجي.
– لا مواطنة متساوية بلا إعادة تعريف الشرعية التاريخية وبلا عدالة تاريخية.
– لا حريات بلا تفكيك أجهزة العنف التي ظلت تصوغ “الأمن القومي” ضد المواطن.
– لا تعليم وصحة ومياه وسكن بلا قلب نموذج المركز/الهامش وإعادة توزيع الموارد والسيادة.
– لا إنصاف للنساء داخل دولة أبوية-عسكرية تحتكر السلاح وتؤله الطاعة.
– ولا وظائف وكرامة بلا اقتصاد منتج مرتبط بدولة قانون، لا بدولة شبكات وامتيازات.
وعليه، فإن الورقة التي لا تضع تفكيك الدولة القديمة (ومن ضمنها الجيش القديم) شرطًا سابقًا على أي برنامج حياة، تصبح—حتى لو تحدثت باسم الفقراء—جزءًا من آلية إعادة إنتاج فقرهم، لأنها تُبدّل اللغة ولا تُبدّل البنية.
الخلاصة: ورقتنا هذه لا تنكر “تاريخ السودان الجديد”، ولا تستخف بتضحيات روّاده. لكنها تؤكد أن اللحظة الراهنة ليست لحظة “ميلاد ثانٍ” بمعنى تنشيط خطاب قديم، بل هي لحظة قطيعة تأسيسية:
إما دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية بعدالة تاريخية واشتراط تقرير المصير وجيش جديد—
أو استمرار السودان القديم، مهما تغيّرت شعاراته، ولنثبت هذا!

أولًا: الإطار النظري – السودان الجديد كقطيعة تأسيسية لا كتجديد خطابي
تنطلق هذه الورقة من فرضية نظرية مركزية مفادها أن الثورات التأسيسية، بوصفها لحظات قطيعة تاريخية، لا تُعاد صياغتها عبر منطق “الميلاد الثاني” الذي يحافظ – ولو ضمنيًا – على استمرارية بنية الدولة التي ثار الناس ضدها، وإنما تتطوّر جدليًا، معرفيًا وسياسيًا، من خلال نقد شروط إنتاجها الأولى، والاشتباك مع تحوّلات الواقع، لتُنتج أدوات ومفاهيم تتجاوز البدايات دون إنكارها. فالتقدّم الثوري، وفق هذا المنظور، لا يقوم على التكرار أو التحسين التدريجي، بل على (Aufhebung)التجاوز الجدلي
الذي يحفظ ما هو حيّ في التجربة السابقة، وينقض ما ثبت فشله تاريخيًا. في هذا السياق، تميّز الفلسفة الجدلية – من هيغل إلى ماركس، ومن غرامشي إلى فانون – بين التجديد داخل البنية والتأسيس عبر القطيعة. فماركس، في نقده للدولة البرجوازية، لم يدعُ إلى “تحديثها” بل إلى تفكيك الأسس المادية التي تقوم عليها؛ وغرامشي رأى أن الأزمة التاريخية العميقة هي تلك اللحظة التي “يموت فيها القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد”، ما يستدعي فعلًا تأسيسيًا لا إصلاحيًا؛ بينما أكّد فانون أن المجتمعات الخارجة من العنف البنيوي لا يمكن أن تعبر إلى المستقبل عبر تسويات رمزية، بل عبر تحطيم البنية التي أعادت إنتاج العنف. هذه المقاربات، مجتمعة، تقود إلى نتيجة واضحة: الثورة التي لا تؤسّس دولة جديدة، تعيد إنتاج الدولة القديمة بأسماء جديدة، وتجارب انتفاضات أكتوبر، ومارس/ ابريل، ومؤخرا ديسمبر ماثلة امام الجميع،
ومن هذا المنطلق، فإن مفهوم “الميلاد الثاني” كما ورد في ورقة الأستاذ عرمان، يفترض ضمنيًا أمرين إشكاليين:
١/ وجود استمرارية عضوية بين الرؤية الأولى للسودان الجديد واللحظة الراهنة،
٢/ وإمكانية تحديث هذه الرؤية دون تفكيك البنية التاريخية للدولة السودانية التي ثبت فشلها في إنتاج السلام، والمواطنة، والحياة الكريمة.
غير أن هذا الافتراض يصطدم بواقع موضوعي لا يمكن القفز عليه أو الالتفاف حوله. فالسودان اليوم ليس في لحظة “أزمة سياسية قابلة للإصلاح”، بل في لحظة انهيار تاريخي شامل، تشكّلت معالمه عبر:
– حرب جارية لا يمكن العودة إلى ما قبلها، لأن التاريخ – كما يعلّمنا الماديون التاريخيون – لا يسير إلى الوراء،
– إبادة جماعية أعادت تعريف علاقة الدولة بالمجتمع،
– تفكك فعلي لمؤسسات الدولة المركزية،
– عسكرة المجتمع وتحلّل المجال المدني،
– وانهيار المركز الأخلاقي والسياسي الذي كان يدّعي تمثيل “الوطن”
في ظل هذه الشروط، تصبح فكرة الاستمرارية وهمًا نظريًا، ويغدو الحديث عن “نسخة مطوّرة” من مشروع سابق بنفس الشروط – مهما كانت نواياه – نوعًا من المحافظة الفكرية التي تعجز عن استيعاب التحوّل النوعي في الواقع. فكما يؤكد لينين في تحليله للحظات الانفجار الثوري، فإن تغيّر البنية المادية للصراع يفرض تغيّرًا جذريًا في أدوات التفكير والبرنامج السياسي، لا مجرد إعادة ترتيب للخطاب.
وعليه، فإن السودان الجديد اليوم لا يحتاج إلى تجديد لغوي أو ميلاد رمزي ثانٍ، بل إلى مشروع تأسيسي لدولة جديدة في لحظة ما بعد الدولة القديمة: دولة تُبنى على أنقاض النظام الذي أنتج الحروب والعنصرية والعسكرة، والفقر والتخلف لا دولة تحاول التكيّف مع كل هذا أو ترميمه. هذا هو جوهر القطيعة التأسيسية التي تتبناها هذه الورقة، والتي تضع نفسها – بوعي نقدي – في مسافة تحليلية من خطاب “الميلاد الثاني”، لا بدافع النفي الشخصي، بل انطلاقًا من ضرورة تاريخية يفرضها واقع السودان الراهن.

ثانيًا: إشكالية الخطاب التحرري غير المحسوم
تعتمد ورقة “نحو ميلادٍ ثانٍ لرؤية السودان الجديد” على معجم التحرر الوطني الكلاسيكي، وهو معجم لعب دورًا تاريخيًا مهمًا في سياقات مقاومة الاستعمار الخارجي وبناء الدول الوطنية في القرن العشرين. غير أن الإشكالية المركزية في هذا الخطاب لا تكمن في لغته، بل في سقف تحليله: إذ يتوقف عند استعادة مفردات التحرر دون الانتقال بها إلى مستوى التفكيك البنيوي للدولة التي أنتجت الأزمة السودانية تاريخيًا وما تزال تعيد إنتاجها بأشكال أكثر عنفًا.
فالورقة، رغم استحضارها لتجربة الحركة الشعبية وسردها لمسارات النضال، لا تعيد تعريف الدولة السودانية بوصفها دولة استعمار داخلي، ولا تحسم موقع الدين في بنيتها السياسية والقانونية، ولا تتعامل مع المركز العسكري باعتباره جهاز العنف المؤسِّس للدولة القديمة. وبهذا المعنى، يبقى خطابها التحرري معلقًا بين النقد الأخلاقي والرغبة في الإصلاح، دون أن يبلغ عتبة التأسيس الثوري.
وهنا تبرز حقيقة نظرية صلبة أكّدتها تجارب التاريخ السياسي والفكر النقدي:
لا تحرر وطني بلا تفكيك جهاز العنف الذي قامت عليه الدولة القديمة.
هذه ليست مقولة راديكالية عاطفية، بل استنتاجًا نظريًا صاغه مفكرو الدولة والثورة. وعلي سبيل المثال فقد شدّد كارل ماركس، في تحليله لكومونة باريس، على أن الثورة لا يمكنها “الاستيلاء على آلة الدولة الجاهزة واستخدامها”، لأن هذه الآلة مصمَّمة أصلًا لإعادة إنتاج الهيمنة. وواصل لينين هذا الخط حين اعتبر أن جوهر الدولة يكمن في احتكار العنف، وأن أي ثورة لا تمسّ هذا الاحتكار تظل أسيرة البنية القديمة مهما رفعت من شعارات.
وفي سياق ما بعد الاستعمار، قدّم فرانتز فانون تشخيصًا أكثر راديكالية حين بيّن أن كثيرًا من حركات التحرر الوطني فشلت لأنها ورثت الدولة الاستعمارية كما هي، فحوّلتها إلى أداة قمع داخلي تمارسها نخب المركز ضد جماهير الهامش، مستبدلة الاستعمار الخارجي بـ استعمار وطني لا يقل عنفًا أو إقصاءً!
هذا الفهم العميق هو ما عبّر عنه الدكتور جون قرنق دي مبيور بوضوح لافت، حين قال:
These people are too deformed to be reformed

لم تكن هذه العبارة تعبيرًا انفعاليًا أو حكمًا أخلاقيًا، بل خلاصة تحليل بنيوي لطبيعة الدولة السودانية ومؤسساتها الحاكمة: دولة تشكّلت تاريخيًا على أساس الإقصاء، والعسكرة، والتماهي بين السلطة والهوية، بحيث لم تعد قابلة للإصلاح من داخلها، بل تتطلب تفكيكًا جذريًا وإعادة تأسيس كاملة.
من هذا المنظور، فإن التحرر الوطني في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُختزل في صراع ضد استعمار خارجي، بل أصبح في حالات مثل السودان – صراعًا ضد:
١/ استعمار داخلي تمارسه دولة المركز،
٢/ وبنية دولة صُمّمت لإدارة الامتيازات لا المواطنة،
٣/ وجهاز عسكري–أمني احتكر تعريف الوطن والأمن والسيادة.
وعليه، فإن أي خطاب تحرري لا يطرح العلمانية بوصفها شرطًا لتفكيك الدولة الدينية، ولا يعترف بـ حق تقرير المصير كحق ديمقراطي يؤسّس للوحدة الطوعية، ولا يتبنى اللامركزية السيادية كبديل لبنية المركز، ولا يضع تفكيك الجيش القديم وبناء جيش جديد في قلب مشروعه، يظل خطابًا رومانسيًا خارج التاريخ: خطابًا ينتقد أعراض الأزمة دون أن يمسّ أسبابها، ويأمل في إصلاح بنية وصفها قرنق – في سياقات مختلفة – عن حق – بأنها “مشوّهة إلى حدّ يستحيل معه إصلاحها”.
بهذا المعنى، فإن إشكالية ورقة “الميلاد الثاني” ليست في نواياها، بل في تردّدها النظري أمام استحقاقات القطيعة التأسيسية التي يفرضها واقع السودان اليوم. فالسودان الجديد، كما صاغه قرنق وكما تطوّر في مشروع الحركة الشعبية – شمال، ليس مشروع إصلاح دولة مريضة، بل مشروع ولادة دولة جديدة من أنقاض دولة لم تعد قابلة للحياة.

ثالثًا: العلمانية بوصفها شرط الدولة لا موضوع مساومة سياسية
تتعامل ورقة “نحو ميلادٍ ثانٍ لرؤية السودان الجديد” مع مسألة العلاقة بين الدين والدولة عبر حذر لغوي مقصود، يقوم على تجنّب مصطلح العلمانية، واستبداله بتعابير ملتبسة من قبيل “إدارة التنوع الديني” أو “التوافق الثقافي”. هذا الحذر لا يمكن فهمه بوصفه مجرد خيار أسلوبي أو اختلاف مفاهيمي، بل هو موقف سياسي كامل، يقوم على تأجيل الحسم في أكثر القضايا تأسيسًا للدولة السودانية، خشية الاصطدام بنخب بعينها.
غير أن تجربة السودان التاريخية، منذ الاستقلال وحتى الحرب الجارية، تثبت بما لا يدع مجالًا للمواربة أن الدين لم يكن عنصرًا ثقافيًا محايدًا داخل الدولة، بل كان – ولا يزال – أداة مركزية لإنتاج الإقصاء، وشرعنة العنف، وبناء الامتيازات. فقد استُخدمت القوانين الإسلامية تحديدا، والخطاب الديني الرسمي، ومفاهيم “الهوية” و”الأغلبية”، لإعادة تعريف المواطنة على أسس دينية وثقافية، جعلت ملايين السودانيين – من غير المسلمين، ومن النساء، ومن أصحاب المعتقدات المختلفة، ومن العلمانيين أنفسهم – مواطنين من درجات أدنى في دولة تزعم أنها وطن للجميع!
في هذا السياق، لا يمكن فهم تجنّب ورقة “الميلاد الثاني” للعلمانية إلا بوصفه انحيازًا غير مُعلن إلى النخب النيلية المسلمة التي ترى في العلمانية تهديدًا مباشرًا لامتيازاتها التاريخية: امتياز تعريف القيم العامة، واحتكار المجال الرمزي، والتفوّق القانوني غير المعلن، والقدرة على تحويل الدين إلى رأسمال سياسي، اقتصادي وأخلاقي. هذا الانحياز، مهما تلطّف لغويًا، يعني عمليًا تقديم طمأنة سياسية للجلاد الرمزي، بدل إنصاف الضحية التاريخية.
وهنا تطرح هذه الورقة سؤالها الأخلاقي والسياسي الجوهري:
لماذا يُطلَب من ضحايا الدولة الدينية – لا سيما في الهامش – أن ينتظروا “التوافق”، بينما لا يُطلَب من المستفيدين من هذه الدولة أن يتنازلوا عن امتيازاتهم؟
لماذا يُنظر إلى العلمانية بوصفها “استفزازًا” للأغلبية المدعاة، ولا يُنظر إلى القوانين الدينية بوصفها قهرًا يوميًا لغير المسلمين، وللنساء، ولأصحاب الضمير الحر، وللباحثين، وللمبدعين؟
في رؤية السودان الجديد، كما تبلورت في صيغتها الثورية المعاصرة داخل الحركة الشعبية – شمال، العلمانية ليست موقفًا أيديولوجيًا قابلًا للتفاوض، بل شرطًا بنيويًا لقيام الدولة ذاتها. ولهذا لم تُطرح العلمانية منفصلة عن حق تقرير المصير، بل جرى ربطهما تاريخيًا وسياسيًا، بوصفهما ضمانتين ضد تاريخ طويل من الخداع والمناورة التي مارستها النخب المركزية: وعود بالوحدة، ثم إعادة إنتاج دولة دينية؛ اتفاقات سلام، ثم التفاف تشريعي؛ خطابات مساواة، ثم قوانين تمييزية!
إن الخطاب الذي يتحدث عن “إدارة التنوع الديني” دون فصل الدين عن الدولة، ليس خطابًا توفيقيًا بريئًا، بل هو – في جوهره – إعادة إنتاج للدولة الأخلاقية القسرية: دولة تدّعي حماية القيم، بينما تستخدمها لقمع المختلفين، وتأديب النساء، وتجريم حرية الضمير، وتقييد البحث العلمي، ومحاصرة الإنتاج الأدبي والفني، ووصم كل خروج عن “السائد الديني” بوصفه تهديدًا للنظام العام. ولا فرق، في هذا الباب، بين اليمين الإسلامي الصريح، ووسطه، ويساره “المستنير”؛ فجميعهم يلتقون عند نقطة واحدة: رفض القطيعة بين الدين والدولة، حفاظًا على الامتياز.
إن أهمية العلمانية في السياق السوداني لا تنبع من كونها فكرة “حديثة” أو “غربية”، بل من كونها الآلية الوحيدة التي:
١/ تضمن مساواة قانونية كاملة بين المواطنين، دون تمييز ديني أو جندري،
٢/ تحمي حرية الضمير والاعتقاد، بما في ذلك حق اللادين،
٣/ تفتح المجال العام للبحث العلمي والنقد والمعرفة دون وصاية،
٤/ تحرّر الثقافة والفن والأدب من الرقابة الأخلاقية المؤدلجة،
٥/ وتفكك البنية الرمزية التي استخدمت الدين لتبرير الحرب والعنصرية
وعليه، فإن أي مشروع يدّعي الانتماء إلى السودان الجديد، لكنه يتهرّب من تسمية العلمانية باسمها، أو يحوّلها إلى “خلاف ثقافي”، إنما ينقض جوهر السودان الجديد نفسه، ويعيد إنتاج دولة الامتياز تحت غطاء لغوي ناعم. فالسودان الجديد، إما أن يكون دولة علمانية حديثة ومنصفة لكل مواطنيها، أو لن يكون سوى نسخة مُحسّنة من دولة قديمة لم تتوقف يومًا عن إنتاج القهر… ولا شنو؟

رابعًا: العدالة التاريخية في مواجهة أخلاق المصالحة المُفرِغة
أحد أخطر أوجه القصور في ورقة “نحو ميلادٍ ثانٍ لرؤية السودان الجديد” يتمثل في اختزال المأساة السودانية في مستوى التجربة السياسية المباشرة، أي في “إخفاقات نضالية” أو “أخطاء تكتيكية” ارتكبتها قوى سياسية بعينها، دون مساءلة البنية التاريخية العميقة للدولة السودانية بوصفها بنية أُنشئت لإدارة العنف والتفاوت لا لتكريس المواطنة. هذا الاختزال، مهما بدا متوازنًا أخلاقيًا، يفضي عمليًا إلى نزع الطابع البنيوي عن الجريمة، وتحويلها إلى حادثة سياسية قابلة للتجاوز بالتسامح أو التوافق.
غير أن التحليل التاريخي–الاجتماعي للدولة السودانية يكشف أنها لم تكن دولة “اختلّ مسارها” لاحقًا، بل دولة تأسست منذ نشأتها الحديثة على:
– إرث العبودية والنخاسة بوصفه عنصرًا بنيويًا في تشكيل التراتب الاجتماعي،
– تمييز إثني وثقافي جرى تطبيعه قانونيًا ورمزيًا،
– وعنف مؤسسي استخدم القانون، والدين، والجيش، والإدارة، لإعادة إنتاج السيطرة.
هذا النوع من الدول لا يمكن مساءلته بمنطق “المحاسبة الإجرائية” وحده، لأن الجريمة ليست انحرافًا عن القاعدة، بل هي القاعدة نفسها. هنا تبرز أهمية ما طوّره الفكر النقدي المعاصر تحت مفهوم العدالة التاريخية، وهو المفهوم الذي يشكّل أحد أعمدة رؤية السودان الجديد كما تطورت داخل الحركة الشعبية – شمال.
فالعدالة التاريخية، بخلاف العدالة الانتقالية التقنية، لا تكتفي بتحديد الجناة الأفراد أو تعويض الضحايا، بل تنطلق من مساءلة الشرعية التاريخية للدولة ذاتها: كيف تأسست؟ من هم المستفيدون من بنيتها؟ وكيف جرى تطبيع العنف والتفاوت بوصفهما “نظامًا طبيعيًا”؟ وهي، بهذا المعنى، لا تعيد توزيع المسؤولية فقط، بل تعيد توزيع الذاكرة والسلطة معًا.
هذا الفهم يجد صداه في أعمال مفكرين كُثر. فقد أشار دبليو. إي. بي. دو بويس، في تحليله لتجربة ما بعد العبودية في الولايات المتحدة، إلى أن التحرر القانوني دون تفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجت العبودية لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج التبعية بأشكال جديدة. أما جيمس بالدوين فقد حذّر بوضوح من أخلاق المصالحة السطحية التي تطلب من الضحية “التسامح” دون أن تواجه الأمة تاريخها، معتبرًا أن إنكار الجريمة هو شكل آخر من أشكال ممارستها.
وتذهب بيل هوكس خطوة أبعد حين تربط بين الهيمنة والذاكرة، مؤكدة أن السيطرة لا تُمارس فقط عبر القوة، بل عبر إجبار المهمَّشين على تبنّي سردية المركز عن الماضي، بما في ذلك سردية “الصفح” و”النسيان”. أما أنجيلا ديفيس، في نقدها العميق لمفهوم العدالة الليبرالية، فتؤكد أن المصالحة التي لا تفكك البُنى المنتجة للعنف – من دولة وسجن واقتصاد وسيادة ثقافية – ليست عدالة، بل إدارة أخلاقية للظلم، والسودان الجديد لن يسمح بهذا.
وفي الفكر الأفريقي، يقدّم فرانتز فانون تشخيصًا بالغ الصلة بالحالة السودانية، حين يرى أن مطالبة ضحايا الاستعمار – الخارجي أو الداخلي – بتجاوز الماضي دون تفكيك أدوات القهر، ليست سوى محاولة لإدامة النظام القائم تحت قناع أخلاقي. فالمصالحة، في غياب العدالة التاريخية، تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الامتياز، لا إلى أفق للتحرر.
من هذا المنظور، فإن خطاب المصالحة غير المؤسس – كما يرد ضمنيًا في ورقة “الميلاد الثاني” وغيرها– لا يمثّل موقفًا محايدًا، بل يقوم بدور سياسي محدد: نقل عبء الحل من البنية إلى الضحية، وإحالة العدالة إلى “حُسن نية” مراكز القوة وأقطاب السودان القديم، أي إلى ذات النخب التي صنعت الأزمة، واستفادت من استمرارها، وحافظت على تقاليدها ومؤسساتها الرمزية والمادية.
وعليه، فإن رؤية السودان الجديد، في صيغتها التأسيسية، ترفض أخلاق المصالحة التي تطلب من الضحية أن تتجاوز جريمة لم يُعترف ببنيتها بعد، ولم تُفكك شروطها. فالمصالحة التي لا تمر عبر العدالة التاريخية ليست طريقًا إلى السلام، بل هي شكل مؤجل من أشكال العنف، لأنها تُبقي التفاوت والامتياز قائمين، وتُعيد إنتاج الدولة القديمة باسم الاستقرار.
إن العدالة التاريخية، كما تفهمها هذه الورقة، ليست دعوة للانتقام ولا لإدامة الصراع، بل هي الشرط المعرفي والسياسي لبناء دولة جديدة وحديثة: دولة تعترف بتاريخها، وتعيد تعريف شرعيتها على أساس المواطنة المتساوية، لا على أساس الإرث، أو الهوية، أو القوة. بدون هذا الشرط، تظل كل دعوة للمصالحة مجرد خطاب أخلاقي جميل يخدم، في نهاية المطاف، من يملكون السلطة لا من عانوا من عنفها.
نواصل في الجزء الثاني.
النضال مستمر والنصر أكيد

زر الذهاب إلى الأعلى