.
#روما، رضوان علي الحسن
يواجه الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” موقفا بالغ الحرج، قد يدفعه إلى مراجعة علاقته بالسياسة والسلطة، بعد أن وضعته التطورات الدولية الأخيرة في قلب عاصفة من التساؤلات والانتقادات الحادة.
– فقد وجد “فيفا” نفسه تحت مجهر الرأي العام العالمي مرة أخرى، ولكن هذه المرة لأسباب تتجاوز الفساد أو الشبهات التنظيمية، لتصل إلى صميم مصداقيته الأخلاقية. جاء ذلك في أعقاب العملية العسكرية الأمريكية التي قادتها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد فنزويلا، وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد. وصف الجانب الفنزويلي العملية بأنها “عدوان عسكري خطير”، في حين تلقى قرار “فيفا” السابق بتكريم ترامب بضربة قاسية.
– جائزة مثيرة للجدل في توقيت أكثر إثارة
لم يمض سوى بضعة أسابيع على حفل قرعة كأس العالم 2026 الذي استضافه مركز جون كينيدي في الولايات المتحدة، حيث حرص رئيس “فيفا” جياني إنفانتينو على منح دونالد ترامب “جائزة فيفا للسلام”. القرار الذي قوبل بانتقادات واسعة في حينه، تحول اليوم إلى عبء ثقيل ومصدر إحراج علني للاتحاد الدولي.
وتصاعدت حدة الانتقادات بعد العملية العسكرية، حيث تساءل مراقبون وإعلاميون، على رأسهم المذيع السابق في “بي بي سي” أندرو نيل، عما إذا كان على “فيفا” أن يطالب ترامب باستعادة الجائزة. وتساءل مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي عن القيمة المتبقية لجائزة تمنح لشخص تتصادم أفعاله اللاحقة مع مفهوم السلام ذاته.
والأزمة لم تعد محصورة في الإدانة الإعلامية فقط. فقد تقدمت منظمة “فير سكوير” غير الربحية بشكوى رسمية إلى لجنة الأخلاقيات في “فيفا”، تتهم فيها الاتحاد بـ “انتهاكات متكررة لقواعد الحياد السياسي” بسبب منح الجائزة لترامب. هذه الشكوى تضع “فيفا” أمام امتحان صارم لمبدأ الفصل بين الرياضة والسياسة الذي يدعي التمسك به.
و هذه الحادثة ليست سوى حلقة جديدة في تاريخ طويل من تقاطعات “فيفا” وكأس العالم مع الأجندات السياسية. فمنذ نسخة 1934 في إيطاليا التي استغلها موسوليني للترويج لفاشيته، مرورا بنسخة 1978 في الأرجنتين تحت حكم المجلس العسكري الديكتاتوري، ووصولا إلى نسختي 2018 في روسيا و2022 في قطر وسط انتقادات حقوقية وسياسية، ظلت البطولة الأعظم ساحة لتجاذبات القوة والنفوذ.
والآن، ومع اقتراب نسخة 2026 التي ستستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، تبدو العاصفة السياسية قادمة باكرا. الأحداث في فنزويلا تذكر العالم بأن خلفية البطولة ستكون أكثر تعقيدا مما يتصور عشاق الكرة، حيث تطفو على السطح أسئلة عميقة حول استغلال الرياضة كأداة لتلميع الصورة أو تحقيق مكاسب سياسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يستطيع “فيفا” الحفاظ على أي مسافة بينه وبين السياسة، أم أن مصلحته الاقتصادية والتوسعية تفرضان عليه التحالف مع مراكز القوى بغض النظر عن طبيعتها؟ أزمة جائزة ترامب للسلام تكشف هشاشة الموقف الأخلاقي للاتحاد الدولي، وتضع رئيسه إنفانتينو في موقف دفاعي صعب.
وفي النهاية، يبدو أن كرة القدم العالمية، عبر مؤسستها العليا، تواصل السير على حافة الهاوية. فكل مرة تخلط فيها اللعبة الجميلة بألاعيب السياسة الكبيرة، تخسر جزءا من براءتها ومصداقيتها، مكتفية بدور المتفرج أو الداعم أحيانا لأجندات تترك ألعاب الملاعب لتلعب في ساحات أكثر خطورة وأشد قتامة.



