
بقلم: نجلاء كرار
في حياة الإنسان، لا يكون التحدي دائمًا في ما يمرّ به من تجارب، بل في كيفية فهمه لما يدور حوله من كلام، ونوايا، وأحكام تُبنى أحيانًا دون أساس.
سوء الظن، في كثير من الأحيان، لا يأتي من حقائق واضحة، بل من فراغات تُملأ بتفسيرات خاطئة، أو روايات ناقصة. وما إن يجد هذا الظن بيئة خصبة من القيل والقال، حتى يتحول إلى قناعة راسخة، يصعب زعزعتها، حتى وإن كانت بعيدة كل البعد عن الحقيقة.
الاستماع المستمر لكل ما يُقال، دون تمحيص أو وعي، يجعل الإنسان عرضة للارتباك الداخلي. تتعدد الأصوات، وتتشابك الآراء، ويضيع الحد الفاصل بين النصيحة الصادقة، والتدخل غير المبرر في خصوصيات الآخرين. فليس كل من اقترب، أراد الخير، وليس كل من تحدث، كان ناصحًا.
التدخل في شؤون الآخرين، حتى وإن تغلّف بعبارات لطيفة، لا يُبرَّر دائمًا بحسن النية. فهناك مساحة خاصة لكل إنسان، وتجربة لا يمكن اختصارها بنصيحة عابرة، أو حكم سريع. لكل فرد مساره، وأخطاؤه التي يتعلم منها، ونضجه الذي لا يُمنح، بل يُكتسب عبر الزمن.
ومع مرور الوقت، يصبح من الضروري أن يطوّر الإنسان قدرته على التمييز؛ أن يعرف من يستحق أن يُصغى إليه، ومن يجب أن توضع بينه وبينه حدود واضحة. فالعلاقات لا تُقاس بكثرة القرب، بل بصدق النية، وراحة الشعور.
أما من يجد نفسه عاجزًا عن التفريق بين من يدعمه بصدق، ومن يثقله بالظنون والكلام، فربما تكون المراجعة الحقيقية ليست للآخرين، بل للذات. لأن وضوح الداخل، هو ما يصنع وضوح الخارج.
في النهاية، لا ينجو الإنسان إلا بوعيه… واختياره لما يستحق أن يُصغي إليه.



