الأعمدة

الجنس مصدر دفء وسكينة

عبد الكريم البليخ
في عمق التجربة الإنسانية، يقف الزواج بوصفه أكثر من عقدٍ اجتماعي أو إطارٍ شرعي؛ إنّه محاولة الإنسان الأولى لترويض وحدته، وبناء معنى مستقر للحياة عبر الشراكة والإنجاب واستمرار السلالة. ومن داخل هذا البناء، يأتي الجنس لا كغريزة عابرة فحسب، بل كطاقة حياة، ومصدر دفء وسكينة، حين يُمارس في سياقه الإنساني السليم، حيث الاحترام والالتزام والمسؤولية المتبادلة.
غير أن هذه الطاقة ذاتها، إذا أسيء توجيهها، تتحول من نعمة إلى عبء ثقيل، ومن متعة عابرة إلى جرحٍ طويل الأمد. فعدم الإخلاص، سواء صدر عن الزوج أو الزوجة، لا يُهدد العلاقة فحسب، بل يهزّ المعنى العميق للأمان والثقة، ويقوّض الأسس النفسية التي تقوم عليها الأسرة. والتاريخ الإنساني، في صمته الصارخ، مليء بقصص الانفعالات العنيفة التي أشعلها الخذلان، حين يتحول الحب إلى ريبة، والطمأنينة إلى خوفٍ مقيم.
إن الشعور بالذنب، في ذاته، عقابٌ داخلي لا يقل قسوة عن أي جزاء خارجي؛ فهو سكين صامت ينهش الضمير ببطء. أما الغيرة والانتقام، فهما أكثر الانفعالات البشرية وحشية، لأنهما يخرجان عن منطق العقل، ويصعب التنبؤ بلحظة انفجارهما. قد نتغنّى بالتحضّر والانفتاح والتسامح، لكن الكلمات وحدها لا ترمّم بيتاً تصدّع من الداخل، ولا تشفي قلباً انهار تحت وطأة الخيانة.
ثم تأتي الصحة، بوصفها البعد الأكثر واقعية وخطورة. ففي زمنٍ تتكاثر فيه الأمراض الجنسية، وتتعاظم فيه الأخطار غير القابلة للعلاج، يصبح الوفاء حمايةً للجسد بقدر ما هو صونٌ للروح. والانحراف الجنسي، مهما تلون بخطابات الحداثة، يظل سبباً قديماً لتفكك الروابط الأسرية، حتى وإن بدا الحوار بين أفرادها متحضراً ومسالماً.
إنَّ نزوةً عابرة قد تتحول إلى قلقٍ دائم، يرافق الإنسان كظلٍ ثقيل لا يفارقه. لذلك، فإن زرع الصدق والإخلاص ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل ضرورة وجودية لحماية الصحة، وصون السعادة، والحفاظ على توازن النفس والمجتمع.
وهكذا، يتجلّى الجنس بوصفه خطوة كبرى نحو الفرح والاكتمال، شرط أن يكون محروساً بالوفاء، ومتوجاً بالإخلاص، ومضفوراً بالمسؤولية تجاه شريك الحياة، حيث يتحول الجسد إلى لغة حب، لا أداة هدم، وتصبح العلاقة ملاذاً لا ساحة صراع.

زر الذهاب إلى الأعلى