الأعمدة

مأساة الفاشر… مظهر من تجلّيات الأزمة السودانية في أبشع صورها

بقلم: المحامي عبدالمنعم أبوتفة
في الفاشر اليوم تنكشف الحقيقة العارية: أنّ الحرب حين تفقد معناها، تتحوّل إلى وحشٍ يلتهم أبناء الوطن نفسه.
وأنّ السلاح، حين يُسلَّط على صدور الأبرياء بدل أن يُوجَّه لحماية الأرض والعِرض، لا يخلّف سوى رمادٍ فوق رماد، ودمٍ يكتب مأساة وطنٍ أنهكته الخيانات المتكررة وضياع البوصلة.
ما يجري في الفاشر ليس حدثًا عابرًا في زمنٍ مضطرب، بل تجلٍّ دامٍ لأزمةٍ أعمق تضرب جذور الدولة السودانية في كيانها ومفهومها وضميرها.
يا أهل الفاشر، كم باتتْ جراحُكُمُ
تَسقي الرُّبى دمعَ أطفالٍ وأراملِ
حربٌ تُدارُ، بلا عقلٍ ولا هدفٍ،
كالنارِ تأكلُ ما تبقّى من المآمِلِ
ما يحدث في مدينة الفاشر من فظائع ترتكبها مليشيا الجنجويد في نسختها المطوّرة المسماة بـ قوات الدعم السريع، هو مشهدٌ صريح لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان، بل وقد يرقى إلى جرائم تطهيرٍ عرقيٍّ وإبادةٍ جماعية.
المدنيون الأبرياء العُزّل الذين قُتلوا بدمٍ بارد هم ذاتهم الذين قُتل أهلهم في حرب دارفور الأولى، والذين هُجّروا قسراً إلى معسكرات النزوح — وعلى رأسها معسكر زمزم شمال غرب الفاشر — ثم اضطروا لاحقًا للنزوح إلى داخل المدينة نفسها بعد أن سيطر الدعم السريع على المعسكر في أبريل 2025، وها هم اليوم يُهجَّرون للمرة الثالثة خارج الفاشر، إن لم يُقتلوا في داخلها أو على الطرق المؤدية منها، أو يموتوا جوعًا ومرضًا تحت الحصار.
إنّ ما تشهده الفاشر الآن من مأساةٍ إنسانية كبرى تمثل قمة البشاعة البشرية، ليس إلا مظهرًا لأزمةٍ أعمق تجلّت في أقبح صورها — أزمة الدولة السودانية الفاشلة والشاملة في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كان حال السودان قبل الحرب كما قال الشاعر:
كالعيسِ في البيداءِ يقتلها الظمأُ، والماءُ فوقَ ظهورِها محمولُ،
وأصبح حاله بعد الحرب كما قال الشاعر:
ما أوجعَ الحربَ إذ تُزهى بقاتلِها، وتستبيحُ دمًا في الأرضِ لم يُحلِّ.
جذور الأزمة ومسؤولية الفاعلين
إنّ هذه الأزمة يتحمّل مسؤوليتها جميع الفاعلين العسكريين والسياسيين دون استثناء، وفي مقدمتهم حزب المؤتمر الوطني وكتائبه المسلحة — وخاصة كتيبة البراء وواجهاته المختلفة — فهم الذين أشعلوا هذه الحرب القذرة، وهم الذين أسّسوا مليشيا الدعم السريع سيئة الصيت من رحم الجيش ذاته كما كانوا يصرّحون، فموّلوها ودربوها حتى تحوّلت إلى غولٍ خرج عن سيطرتهم، فانقلب السحر على الساحر.
ويليهم في المسؤولية الجيش المؤدلج، الذي ظل منذ نشأته الأولى — كأورطةٍ استعمارية — يحمل عقيدة حماية السلطة لا حماية الوطن.
فمنذ الاستقلال، لم يتبدّل جوهر عقيدته؛ إذ ظلّ حارسًا للسلطات العسكرية الانقلابية تارة، وللانقلابات على الأنظمة الديمقراطية قصيرة العمر تارةً أخرى.
ولم تتوقف مهمته الرئيسة عند حراسة الحدود أو الذود عن الوطن، بل اتخذ من الحروب الداخلية ضد أبناء الشعب السوداني عقيدةً ومنهجًا، وكأنّ رسالته قتل السودانيين لا حمايتهم.
أما الجنجويد — ربيب الكيزان وجيشهم العقائدي — فهم الأكثر دمويةً والأفظع انتهاكًا، لا يتورعون عن أي فعلٍ يريق الدم ويمزّق النسيج الوطني.
ثم تأتي الحركات المسلحة التي انحرفت عن مسارها الثوري وتحولت من حركات كفاحٍ مسلح إلى حركات ارتزاقٍ وأمراء حرب وطالبي سلطة، سواء تحالفت مع الجيش أو مع الدعم السريع.
ويأتي في المؤخرة الأحزاب السياسية التي لم تتعلم من دروس التاريخ بعد الثورة، إذ قدّمت مصالحها الحزبية الضيقة على مصالح الوطن، فأسهمت بطريقةٍ غير مباشرة في انتكاسة ثورة ديسمبر المجيدة.
الفاشر مرآة المأساة السودانية
إنّ كارثة الفاشر الماثلة اليوم تكشف عمق المأساة السودانية التي ينبغي أن تتوقف فورًا.
فالحرب، ما لم تُوقف، ستعمّق جراح الشعب السوداني وتزيد أزمته الإنسانية تعقيدًا.
إنّ استمرارها يعني مزيدًا من الانتهاكات والفظائع، كمًّا ونوعًا، ويزيد من وتيرة الاستقطاب الجهوي والعنصري الذي يمزّق البنية الاجتماعية، ويهدد بانهيار الدولة وتفككها الكامل.
إنّ استمرار الحرب سيفتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الدولية والإقليمية في الشأن السوداني، وقد يقود — لا قدر الله — ليس إلى تقسيم السودان فحسب، بل إلى تفكيكه وانهياره التام.
ولا تزال الفرصة الأخيرة ماثلة أمام القوى الوطنية والمدنية في إطار مبادرة الرباعية الدولية والإقليمية التي أيدها الجميع عدا المؤتمر الوطني وداعميه، فهي الأمل المتبقي لوقف الحرب ودخول المساعدات الإنسانية والجلوس إلى طاولة الحل السياسي.
لكن سقوط الفاشر وما تبعه من انتهاكاتٍ مروّعة هزّت ضمير الإنسانية جمعاء، يتم استغلالها من النظام البائد ذريعةً لرفض مبادرة الرباعية، لإضاعة الفرصة التاريخية أمام الشعب السوداني كي ينعم بوقف إطلاق النار وبداية السلام.
ذاكرة الدم لا تسقط بالتقادم
أما دعايات الكيزان الموجّهة لاستنفار الناس واستمرار الحرب، فمردودٌ عليها.
فما ارتكبه الدعم السريع في مدينة الفاشر — على بشاعته — لا يمثل خمسة بالمائة مما ارتكبه الجيش الكيزاني بأوامر عمر البشير وعلي عثمان محمد طه بين عامي 2003 و2005، حين أحرق أكثر من ألف قرية ببراميل متفجرة ألقتها طائرات الأنتنوف، مما أسفر عن مقتل أكثر من ثلاثمائة ألف من أهل دارفور، معظمهم من النساء والأطفال، فضلًا عن آلاف الإعدامات الميدانية والاغتصابات الموثقة بحق المدنيين.
وما ارتكبه الجنجويد النسخة السابقة والوجه الأصلي للدعم السريع كأداة للجيش في تلك الفترة وما بعدها لا يقل فظاعة وبشاعة مما ارتكبه الجيش بحق المدنيين العزل من انتهاكات ، فما نراه الآن ليس بالأمر الجديد حتى يتباكا عليه الجيش والحركة الإسلامية
تلك الجرائم المثبتة في تقاريرٍ أممية وسودانية لا تسقط بالتقادم، ورغم ذلك فإنّ المتهمين ما زالوا يعيشون في السودان تحت حماية البرهان، بل إنّ أحدهم نُصّب مؤخرًا رئيسًا للمؤتمر الوطني!
وعليه فإنّ الجيش والمؤتمر الوطني فاقدان للأهلية الأخلاقية للمطالبة بمحاكمة الدعم السريع أمام المحكمة الجنائية الدولية، وهما يحمِيان من ارتكب فظائع أشد وأنكى من جرائم الدعم السريع رغم بشاعتها وفداحتها.
كما أنّ الجيش نفسه لم يخلُ من ارتكاب فظائع مماثلة في الحرب الماثلة ، إذ ما برئ يقصف القرى والأسواق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع بالطائرات، فقتل المدنيين الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ.
وكان آخرها القصف الجوي الذي طال أسواق الكومة والضعين في أكتوبر الجاري، وأودى بحياة عشرات الأبرياء.
⸻
نداء إلى الضمير السوداني
إنّ الشعب السوداني يعيش اليوم حالة من التيه وفقدان البوصلة.
والحكمة تقتضي إدانة الطرفين معًا — الجيش والدعم السريع — فكلاهما أجرم ولا يزال يجرم في حق الشعب المغلوب على أمره.
كلاهما انقلب على ثورة ديسمبر العظيمة التي أعادت للشعب كرامته وللسودان احترامه، وهما — معًا — من أعادا الكيزان إلى المشهد، ومن أشعلوا هذه الحرب لاستعادة شرعيةٍ زائفةٍ بالدم والنار.
أيها الشعب السوداني البطل،
لا يخدعنّكم الدعم السريع بادعائه السعي نحو الديمقراطية، فهو أبعد ما يكون عنها، ولا يخدعنّكم الجيش بشعارات “حرب الكرامة”، فكرامة المواطن السوداني لا تتحقق إلا بوقف الحرب، وتوحيد كل حاملي السلاح في جيشٍ وطنيٍّ واحدٍ بعيدٍ عن السياسة والاقتصاد.
وإنّ الطريق الوحيد لإنقاذ الوطن هو اتفاق سياسي شامل بين القوى المدنية على رؤية ومشروعٍ وطني يُنهي الحروب ويعالج جذور الأزمة البنيوية والهيكلية للدولة

زر الذهاب إلى الأعلى