لماذا لا يتوب أعضاء وأنصار جماعة مايسمي بالحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض رغم وضوح نتائج تجربتهم الكارثية ؟!

✍️ محمد الفاتح حضرة
كان من أكثر الأسئلة التي ظلت تراودني لسنوات طويلة سؤالٌ ربما يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه أغضّ مضجعي لسنواتٍ وسنوات طويلة :
كيف يمكن لإنسانٍ عاقل ومسلم يرى بعينيه النتائج الكارثية لتجربةٍ سياسيةٍ إمتدت لعقود، ثم لا يراجع نفسه؟!
كيف يمكن لإنسانٍ يشاهد الخراب الذي أصاب البلاد، وسفك الدماء، وتمزق المجتمع، وانهيار الاقتصاد، وضياع الدولة، ثم يزداد تمسكاً بالطريق نفسه؟!
بل كيف يمكن لبعض الناس أن يزدادوا حماساً للفكرة نفسها كلما إزدادت نتائجها سوءاً؟!
🧐
Recently..
لقد وصلتُ إلى قناعةٍ راسخة بأن كثيراً ممن كانوا قد إنتموا في بداياتهم إلى ما يسمى بجماعة الحركة الإسلامية، انهم لم يكونوا أصحاب أطماع أو مشاريع فساد..
بل كانوا في الغالب ضحايا خطابٍ عاطفي ديني نجح في مخاطبة وجدان الشعب السوداني المتدين.
كان الحديث عن الشريعة…
وعن المشروع الحضاري…
وعن نصرة الدين…
وعن إقامة دولة الإسلام…
وكان من السهل على الشباب المتدين أن يصدق تلك الشعارات وأن ينخرط فيها بحسن نية.
‼️
ولهذا فإنني لا أتعجب من الذين انضموا في البدايات.
ولكنني أتعجب من الذين استمروا بعد أن تكشفت الحقائق.
فثمة فرقٌ كبير بين من خُدع أول مرة…
وبين من استمر بعد أن زال الخداع.
وثمة فرقٌ كبير بين من أخطأ…
وبين من أصر على الخطأ بعد أن ظهر له.
🤨
لقد شهد تاريخ هذه الجماعة نفسها وقائع تستحق التأمل.
فحين وقعت المفاصلة الشهيرة في أواخر تسعينيات القرن الماضي، لم يكن الخارجون من الجماعة خصوماً تقليديين لها.
بل كان من بينهم الدكتور حسن الترابي نفسه، وهو الرجل الذي يُعد أحد أبرز مؤسسي المشروع الإسلامي الحديث في السودان وأهم منظريه.
وانسحب معه عدد من القيادات والكوادر التاريخية.
وهنا يبرز سؤال مشروع:
إذا كان بعض المؤسسين أنفسهم قد وصلوا إلى مرحلة الانشقاق والمراجعة والخلاف العميق، أفلا يدعو ذلك الأجيال اللاحقة إلى التوقف والتفكر؟!
🧐
ثم توالت السنوات…
وجاءت الأزمات تلو الأزمات…
والحروب تلو الحروب…
والانقسامات تلو الانقسامات…
حتى انتهى الأمر بسقوط النظام في العام 2019.
وكان المتوقع أن تكون تلك اللحظة فرصةً تاريخية للمراجعة والمحاسبة والاعتراف بالأخطاء.
لكن الذي حدث في كثير من الأحيان كان العكس تماماً.
فبدلاً من المراجعة الصادقة، رأينا محاولات لإعادة تقديم المشروع نفسه بأسماء جديدة ولافتات جديدة وتحالفات جديدة.
🤔
وهنا بدأت أفهم أن القضية أعمق من مجرد خلاف سياسي.
وأعمق من مجرد صراع على السلطة.
وأعمق من مجرد أخطاء إدارية أو اقتصادية.
إنها قضية تتعلق بسنن الله في البشر.
وبكيفية تعامل القلوب مع الحق حين يتبين لها.
وبكيفية تعامل النفوس مع السلطة والمال والنفوذ.
فكلما ازدادت المصالح، أصبحت التوبة أصعب.
وكلما تشابكت الامتيازات، أصبح الرجوع إلى الحق أثقل.
ولهذا قال بعض السلف:
“ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي.”
😔
فكم من إنسان بدأ الطريق مخلصاً…
ثم غلبته الدنيا.
وكم من إنسان دخل التجربة بدافع الدين…
ثم أصبح يدافع عن الأشخاص.
وكم من إنسان كان يبحث عن الحق…
ثم أصبح يبحث عن المبررات.
‼️
ولسنوات طويلة كنت أتساءل:
كيف أمهل الله هذه التجربة السياسية كل هذه العقود؟!
كيف امتد بها العمر رغم كل ما شهدته البلاد من أزمات وكوارث؟!
كيف طال الإمهال إلى هذا الحد؟!
ثم وقفت طويلاً أمام آية من أكثر آيات القرآن رهبةً وفزعاً:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾
الأنعام: 44
😳
تأملوا الآية جيداً…
الله لم يقل:
أغلقنا عليهم الأبواب.
ولم يقل:
ضيقنا عليهم.
بل قال:
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾
كل شيء!!
المال…
والسلطة…
والنفوذ…
والتمكين…
والجاه…
والأتباع…
والإعلام…
ووسائل القوة…
ثم ماذا؟!
﴿حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾
أي ظنوا أن ما هم فيه دليل رضا من الله.
وأن ما وصلوا إليه علامة نجاح.
وأن كثرة ما بأيديهم برهان صحة.
ثم تأتي المفاجأة:
﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾
‼️
وهنا فهمت أمراً ظل يحيرني طويلاً.
بعض العقوبات لا تكون في آخر الطريق.
بل تبدأ منذ أوله.
فمن أعظم العقوبات أن يُحرم الإنسان رؤية عيوب نفسه.
ومن أعظم العقوبات أن يظن نفسه على حق وهو غارق في الباطل.
ومن أعظم العقوبات أن يسمع النصيحة فلا ينتفع بها.
ومن أعظم العقوبات أن يرى آثار أفعاله فلا يعتبر.
ومن أعظم العقوبات أن تتكرر أمامه الدروس والعبر فلا يتعظ.
🧐
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
الأعراف: 182-183
وقال سبحانه:
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾
المؤمنون: 55-56
وجاء عن النبي ﷺ:
«إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج»
😔
ولذلك…
لا تتعجب إذا رأيت ظالماً لا يتوب.
ولا تتعجب إذا رأيت فاسداً يزداد فساداً.
ولا تتعجب إذا رأيت من تلطخت أيديهم بالدماء أو شاركوا في الظلم أو برروه يزدادون إصراراً على مواقفهم.
فقد تكون المصيبة الكبرى قد وقعت بالفعل.
وقد تكون العقوبة قد بدأت بالفعل.
عندما سُلبت منهم نعمة المراجعة.
ونعمة التوبة.
ونعمة رؤية الحق.
‼️
إن أخوف ما أخافه على الإنسان ليس أن يذنب.
فكل بني آدم خطاء.
ولكن أن يُحرم التوبة.
وأن يزداد تمسكاً بخطيئته كلما ظهرت آثارها.
وأن يتحول الخطأ عنده إلى عقيدة.
والمصلحة إلى مبدأ.
والمكابرة إلى منهج.
ثم يلقى الله وهو يظن أنه كان يحسن صنعاً.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
الكهف: 103-104
😔{ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}🫧
التوبة: 118
فالتوبة ليست مجرد قرار.
التوبة إنما هي رزق من الله.
ومن لم يتب الله عليه…
فلن يتوب.
ومن أعظم البلاء أن يُفتح للإنسان باب الاستدراج وهو يظن أنه باب النجاة..
😔 ليس أخوف ما في الأمر أن يخطئ الإنسان…
بل أن يفقد القدرة على رؤية خطئه.
وليس أخوف ما في الأمر أن يذنب…
بل أن يُزين له ذنبه حتى يظنه حقاً.
قال الله تعالى:
﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾
فاطر: 8
لا إله إلا الله…
نسأل الله السلامة في الدين والدنيا والآخرة..
🤲ربنا..
ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين 😓
#السودان #الحركة_الإسلامية #التيار_الإسلامي_العريض #الاستدراج #التوبة #العبرة #سنن_الله



