الأقتصاد

فجوة بين الأرقام والمنطق الاقتصادي كيف ضخمت سوداتل نتائجها المالية لتخدع الجمهور؟

في إعلان لافت كشفت مجموعة سوداتل عن تحقيق صافي أرباح بلغ 117.5 مليون دولار لعام 2025، مع إيرادات وصلت إلى 452.5 مليون دولار، وهامش ربح تشغيلي (EBITDA) عند 52%، في ما وصفته بأنه أفضل أداء منذ التأسيس.
لكن خلف هذه الأرقام “القياسية”، تبرز تساؤلات جوهرية عند إخضاعها للتحليل العلمي والمقارنة الدولية، خصوصاً عند وضعها جنباً إلى جنب مع شركات اتصالات عالمية كبرى مثل MTN Group وAirtel Africa وOrange، حيث تبدأ الفجوات في الظهور بوضوح.
أرقام خارج السياق الطبيعي
عند وضع الأرقام السابقة في سياق المقارنة العالمية، نجد أن هامش EBITDA لدى سوداتل يتجاوز بوضوح مستويات شركات مثل MTN Group التي تدور هوامشها حول 42–44%، وكذلك Airtel Africa عند نحو 46.5%، وOrange التي تقترب من 34%، في حين يبلغ المتوسط العالمي لقطاع الاتصالات حوالي 35%.
لتوضيح شذوذ هامش صافي الربح (Net Profit Margin) بنسبة 26%، يكفي النظر إلى عملاق القطاع مثل Deutsche Telekom (المالك لـ T-Mobile)، فوفقاً لبيانات عام 2025، يبلغ هامش صافي الربح لهذه الشركة حوالي 5.46% فقط، بينما يبلغ المتوسط العالمي للقطاع حوالي 5.6%.
هذا يعني أن هامش ربح سوداتل يفوق المتوسط العالمي بنحو 5 أضعاف، ويتفوق على شركات بحجم وقدرة تفاوضية وتنوع جغرافي هائل، وهو أمر لا يمكن تفسيره اقتصاديا أو تشغيليا إلا في حالات نادرة جدا (مثل احتكار مطلق مع إعفاءات ضريبية وإهلاك شبه معدوم).
فجوة مقلقة بين الواقع التشغيلي والمنطق المالي
يعرف قطاع الاتصالات عالمياً بأنه قطاع كثيف الأصول يعتمد على استثمارات رأسمالية ضخمة في البنية التحتية، ما يؤدي إلى مستويات مرتفعة من الإهلاك (Depreciation).
ونتيجة لذلك، فإن النمط الطبيعي في هذا القطاع هو أن تكون أرباح EBITDA مرتفعة نسبياً، بينما ينخفض صافي الربح بشكل ملحوظ بعد احتساب الإهلاك والتكاليف التمويلية.
إلا أن حالة سوداتل تظهر نمطًا مختلفًا، حيث يبلغ هامش EBITDA نحو 52%، في حين يصل صافي الربح إلى 26%، أي أن الفجوة بين المؤشرين (26% فقط) أصغر مما هو معتاد في هذا القطاع.
عادة ما تتراوح تكاليف الإهلاك والإطفاء في شركات الاتصالات بين 20% إلى 30% من الإيرادات، وتشير أرقام سوداتل ضمنيا إلى أن الإهلاك والإطفاء يمثلان فقط حوالي 26% من الإيرادات (محسوبة بالفرق بين 52% EBITDA و 26% Net Margin)، وهو رقم منخفض جدا لا يتناسب مع عمر الأصول التقنية القصير نسبيا (3-5 سنوات للمعدات) ومع الارتفاع الهائل في قيمة الأصول المعلنة مؤخرا.
هذا التناقض هو مؤشر رئيسي (Red Flag) يستدعي التدقيق، إذ يطرح التساؤل التالي: كيف ترتفع قيمة الأصول بينما تنخفض تكلفة الإهلاك المفترضة على تلك الأصول؟
القفزة في الأصول “وهم إعادة التقييم وليس نقدا”
من أبرز ما ورد في التقرير هو الارتفاع الحاد في الأصول غير المتداولة من 576 مليون دولار إلى 1.21 مليار دولار، بالتوازي مع قفزة كبيرة في حقوق المساهمين من 104.7 مليون دولار إلى 766 مليون دولار خلال فترة قصيرة. وقد أرجعت الشركة هذا التحول إلى إعادة تقييم الأصول.
تعمل سوداتل بموجب المعايير المحاسبية الدولية مثل IAS 16 الذي يسمح بنموذج إعادة التقييم، ولكن هناك قواعد صارمة تحكم هذا الإجراء، أولها أن أي زيادة في قيمة الأصول نتيجة إعادة التقييم لا يتم إدراجها في قائمة الدخل (P&L) كأرباح تشغيلية، بل يتم إيداعها في “الدخل الشامل الآخر” (OCI) ضمن بند “الاحتياطي التراكمي لإعادة التقييم” في حقوق الملكية، وليس في الأرباح الموزعة.
هذا يعني أن حقوق المساهمين ارتفعت بمقدار 661 مليون دولار (وهو رقم ضخم)، لكن هذا الرقم يمثل تعديلا دفترية محاسبيا غير نقدي يعكس تقديرا جديدا للقيمة السوقية.
ثانيًا، رغم أن هذا التحسن الدفتري يعزز نسبة الملاءة المالية ظاهرياً، إلا أنه لا يولد نقدا ولا يمثل أداء تشغيليا حقيقيا، بل يمكن اعتبار هذا الإجراء “تجميلا” للمركز المالي.
وإذا لم تكن هذه القيم السوقية مدعومة بتقييمات مستقلة وشفافة (وهو أمر صعب في بيئة ما بعد الحرب وارتفاع المخاطر)، فإنها تعطي انطباعا مضللا عن القوة الاقتصادية للشركة.
وبعض الدراسات تشير إلى أن إفصاحات إعادة التقييم تكون ذات صلة بالقيمة فقط عندما تعكس تغيرات حقيقية في السوق، وهو أمر مشكوك فيه في ظل ظروف السودان الحالية.
غياب أهم عنصر – التدفقات النقدية
من الملاحظ أن التقرير لم يتضمن أي بيانات عن التدفقات النقدية التشغيلية أو التدفقات النقدية الحرة، وهي من أهم المؤشرات في التحليل المالي الحديث، فالأرباح المحاسبية، مهما بلغت، لا يمكن الاعتماد عليها دون التحقق من وجود نقد فعلي يدعمها.
في نموذج بينيش (Beneish M-Score) لكشف التلاعب، يعتبر مؤشر TATA (Total Accruals to Total Assets)، وهو إجمالي المستحقات إلى إجمالي الأصول، من أقوى المؤشرات، ويتم حسابه كـ (صافي الدخل – التدفق النقدي التشغيلي) – إجمالي الأصول.
في حالة سوداتل، وبسبب غياب رقم التدفق النقدي التشغيلي، لا يمكن حساب هذا المؤشر، وهو فراغ كبير يمنع أي محلل من تأكيد جودة الأرباح.
تجدر الإشارة إلى أن الأرباح المحاسبية المرتفعة المصحوبة بتدفقات نقدية تشغيلية سلبية أو ضعيفة تشير عادة إلى ممارسات محاسبية “عدوانية”.
تحليل كمي مستوحى من نموذج بينيش (Beneish M-Score)
باستخدام منهجية تحليل مستوحاة من نموذج Beneish M-Score لتقدير احتمالية التلاعب، مع الأخذ في الاعتبار أن النموذج الكلاسيكي يتطلب تفاصيل كاملة، وبناءً على البيانات المتاحة، فقد تم تحليل مؤشرات الخطر الرئيسية.
ففيما يتعلق بمؤشر الإهلاك (DEPI) الذي يشير إلى أن انخفاض الإهلاك بشكل غير طبيعي يزيد الربح، فإن الفجوة الصغيرة بين EBITDA وصافي الربح في حالة سوداتل توحي بأن الإهلاك منخفض بشكل غير مبرر مقارنة بحجم الأصول الجديد، مما يضع مستوى الخطر في خانة “مرتفع جدا”.
أما مؤشر جودة الأصول (AQI) الذي يقيس تأثير زيادة الأصول غير المتداولة (مثل إعادة التقييم) مقابل انخفاض الأصول المتداولة، فإن القفزة الهائلة في أصول سوداتل من 576 مليوناً إلى 1.21 مليار دولار بسبب إعادة تقييم غير نقدية تضع مستوى الخطر أيضاً في خانة “مرتفع جدا”.
وبالنسبة لمؤشر هامش الربح (GMI)، فإن تحقيق هوامش أرباح غير مسبوقة تاريخيا وفي بيئة حرب هو أمر غير مرجح إحصائيا، مما يرفع مستوى الخطر إلى “مرتفع”.
وأما مؤشر نمو المبيعات (SGI)، فرغم أن نمو الإيرادات بنسبة 19% هو نمو جيد، إلا أنه لا يبرر القفزة الهائلة في صافي الربح، مما يضع مستوى الخطر في خانة “متوسط”.
وأخيراً، فإن مؤشر المستحقات (TATA) يعد الأكثر خطورة، إذ لم يتم الإفصاح عنه من الأساس، وهذا بحد ذاته إنذار يضع مستوى الخطر في خانة “غير معروف / حرج”.
بناءً على هذه المؤشرات، تشير التقديرات إلى أن الشركة تقع ضمن النطاق الذي يعرف بـ “منطقة الشك” (Distress Zone) في نموذج بينيش، وهو ما يرتبط باحتمالات تضخيم الأرباح أو التلاعب في النتائج.
البيئة الاقتصادية لا تدعم هذه الأرقام
تعمل سوداتل في بيئة اقتصادية شديدة التعقيد تتسم بعدم الاستقرار، وتأثيرات الحرب، وارتفاع معدلات التضخم، وتقلبات سعر الصرف.
ووفق النظريات الاقتصادية، فإن مثل هذه البيئات لا تدعم عادة تحقيق أرباح مستقرة ومرتفعة بهذا الشكل، بل تميل إلى تقليص الهوامش وزيادة المخاطر.
للتدقيق في هذا التناقض، يمكن النظر إلى أداء شركة MTN، التي تعمل في السودان أيضا من خلال فرعها MTN Sudan.
ففي عام 2025، أعلنت مجموعة MTN الجنوب أفريقية عن انخفاض حاد في أرباحها بنسبة 69%، وعزت ذلك بشكل رئيسي إلى سببين: أولهما انهيار عملة نيجيريا، وثانيهما “التحديات التشغيلية والأداء المالي المتعثر بسبب النزاع المسلح في السودان”.
إذا كانت بيئة الحرب تؤثر سلبا وبقوة على عملاق عالمي مثل MTN، فكيف تمكنت سوداتل في نفس السوق السوداني المضطرب وفي نفس العام من تحقيق “أعلى دخل تشغيلي منذ التأسيس”؟
هذا التناقض يضع مصداقية الأرقام المعلنة تحت اختبار شديد، فإما أن سوداتل تعمل في سوق اقتصادي مواز لا يتأثر بالحرب، أو أن الأرقام المنعكسة في تقريرها لا تعكس الأداء الحقيقي.
تفسير لما يحدث
في ضوء التحليل السابق، لا يمكن فصل النتائج المالية المعلنة عن السياق المؤسسي والتاريخي الذي نشأت فيه سوداتل، حيث تشير تقارير ودراسات متعددة إلى أن قطاع الاتصالات في السودان، منذ التسعينيات، ارتبط بدرجات متفاوتة بهياكل النفوذ السياسي والاقتصادي المرتبطة بالدولة، والتي يُنسب في مجمله إلى شبكات محسوبة على الحركة الإسلامية السودانية.
وفي هذا الإطار، يمكن تفسير النتائج عبر تداخل عوامل تشمل أرباحاً غير متكررة، وتأثيرات إعادة تقييم الأصول، وانعكاسات التضخم وسعر الصرف، إضافة إلى أوضاع سوقية غير تنافسية بالكامل، فضلاً عن احتمالات تبني معالجات محاسبية تسهم في تحسين الصورة الظاهرة للنتائج.
هذه العوامل لا تستبعد بعضها البعض، بل قد تعمل مجتمعة لإنتاج الصورة الحالية.
أرقام غير واقعية
عند تجميع هذه المؤشرات، يتضح أن الأرقام المعلنة من سوداتل تبدو قوية على السطح، لكنها عند التحليل العميق تظهر أعلى من المعايير العالمية، وغير متسقة على الإطلاق مع طبيعة قطاع الاتصالات، ومدعومة بعوامل غير تشغيلية (مثل إعادة تقييم الأصول)، فضلًا عن افتقارها إلى بيانات نقدية أساسية لا يمكن لأي تقرير مالي مهني الاستغناء عنها.
والأهم من ذلك أن القفزة الكبيرة في الأصول وحقوق المساهمين جاءت نتيجة إعادة تقييم، وليس نتيجة أداء تشغيلي فعلي.
وعند وضع هذه النتائج ضمن السياق الأوسع للعلاقة التاريخية بين بعض الشركات الكبرى في السودان ومراكز النفوذ السياسي – وهي علاقة تناولتها تقارير صادرة عن جهات بحثية وصحفية متعددة – فإن القراءة النقدية تصبح أكثر تعقيدًا، إذ قد يفسر هذا السياق جزئياً كيف يمكن أن تظهر نتائج مالية استثنائية في بيئة اقتصادية غير مستقرة دون أن تكون مدعومة بالكامل بأسس تشغيلية صلبة.
ومع تراكم هذه الإشارات، من هوامش الربح غير الاعتيادية، إلى الفجوة المحاسبية المريبة، وغياب الشفافية النقدية، يتشكل انطباع واضح بأن التقرير يعكس صورة خادعة محاسبياً أكثر من كونها انعكاساً دقيقاً للأداء الاقتصادي الحقيقي.
بناءً على هذا التحليل الذي يناقش وجود تلاعب مستندا إلى الأدلة المالية والمقارنات الدولية، وقواعد المعايير المحاسبية (IFRS)، والنظر إلى السياق التاريخي للعلاقة بين الاقتصاد ومراكز النفوذ في السودان، تقود النتائج إلى حقيقة مفادها أن نتائج سوداتل تقع ضمن منطقة الشك المرتفع (High Zone of Suspicion).
إن التعامل مع هذه الأرباح كأرقام تعكس أداءً حقيقيا ومستداما يتطلب قدراً كبيراً من الحذر والتدقيق، إضافة إلى ضرورة الرجوع لمصادر مستقلة، وتقارير تدقيق تفصيلية، والأهم من ذلك، الإفصاح عن قائمة التدفقات النقدية.
ترجمة المصطلحات الواردة في التحليل:
EBITDA: الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك
Net Profit Margin: هامش صافي الربح
Depreciation: الإهلاك
Capex: الإنفاق الرأسمالي
Cash Flow: التدفقات النقدية
Earnings Quality: جودة الأرباح
Asset Revaluation: إعادة تقييم الأصول
Beneish M-Score: نموذج كشف التلاعب
المراجع :
1. تقارير International Crisis Group حول الاقتصاد السياسي في السودان
2. دراسات World Bank عن الشركات المملوكة للدولة
3. تقارير Transparency International حول الحوكمة والفساد
4. تحقيقات صحفية في Reuters وAl Jazeera حول اقتصاد السودان في فترة النظام السابق
5. المعيار المحاسبي الدولي IAS 16 “الممتلكات والمصانع والمعدات”
6. بيانات مالية لشركة Deutsche Telekom AG لعام 2025
7. تقارير أرباح MTN Group لعام 2025 (Reuters)

زر الذهاب إلى الأعلى