


هناك أسئلة لم يعد من الممكن دفنها تحت ركام البيانات السياسية، ولا تغطيتها بضجيج الشعارات، ولا تأجيلها إلى ما بعد الحرب؛ لأن القضية تجاوزت حدود الخلاف السياسي إلى سؤال وجودي يتعلق بمصير السودان نفسه: إلى أين يمضي هذا البلد؟ ومن يقود خطواته في هذا الطريق؟ ومن المستفيد ؟
فمن يتابع مسار الأزمة السودانية خلال السنوات الماضية يجد أن سلسلة متراكمة من الأخطاء السياسية، والقرارات المرتبكة، والصراعات بين مراكز السلطة، وضعف المسؤولية، وانعدام الثقة، والتدخلات الخارجية قد ساهمت في إضعاف الدولة وفتح ثغرات واسعة أمام التدخلات والأجندات المتعارضة.
وهنا لا نتحدث عن خطأ واحد ؛ وإنما عن منظومة من الممارسات والقرارات التي تراكمت حتى انفجرت في وجه الجميع.
لقد كانت الخلافات حول الوثيقة الدستورية، والمحاصصة السياسية، والمهادنة والمجاملة، وضعف الالتزام بالقواعد الدستورية، والتخبط في إدارة المرحلة الانتقالية، والصراع بين المكونات المدنية والعسكرية، والتعامل غير المنضبط مع ملف القوات المسلحة والقوات النظامية والمجموعات المسلحة، من أبرز العوامل التي عمّقت هشاشة الدولة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف وصل السلاح المتعدد إلى قلب الخرطوم؟ وكيف أصبحت قوة عسكرية موازية تمتلك هذا الحجم من النفوذ السياسي والعسكري؟
ثم جاء العامل الخارجي ليجد بيئة داخلية شديدة الهشاشة.
ومهما اختلفت القراءات حول طبيعة وحجم التدخلات الأجنبية في الحرب السودانية، فإن الثابت أن السودان أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة، ومجالاً أوسع للتأثير الخارجي في القرار السوداني.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
عندما يضعف الداخل، تتقدم الخارج.وعندما تتشقق الدولة، تتسع مساحة الوصاية.وعندما يفقد السياسيون القدرة على إنتاج حلول سودانية، تصبح طاولات الخارج أكثر حضوراً في صناعة مستقبل البلاد.
والأخطر من ذلك كله أن يتحول السودانيون، من حيث يدركون أو لا يدركون، إلى أدوات في صراع أكبر من خلافاتهم السياسية المباشرة.
لكن الحديث عن وجود خطة أجنبية محددة لتقسيم السودان تنتهي في عام 2029 يحتاج إلى أدلة ووثائق يمكن التحقق منها، ولا ينبغي تقديمه كحقيقة ثابتة من دون نشر مصادره. غير أن عدم ثبوت هذه الخطة لا يعني أن خطر التفكك غير موجود؛ فالتفكك قد يكون نتيجة طبيعية للحرب والاستقطاب والانهيار المؤسسي حتى من دون وجود مخطط مركزي واحد.
وهنا يجب أن نتوقف طويلاً.
ماذا لو تحولت التدخلات الخارجية من دعم غير مباشر إلى ترتيبات سياسية تفرض نفسها على السودانيين؟
وماذا لو وصل السودان إلى مرحلة تصبح فيها وحدة الدولة نفسها موضوعاً للتفاوض؟
سيكون السؤال الأكثر مرارة:
ماذا تبقى من السودان بعد أن ينتصر الجميع على السودان؟
إن أخطر ما في المشهد تفكك الثقة في الدولة، وتآكل مؤسساتها، وانقسام النخب، وتعدد مراكز القرار، وتراجع مفهوم الدولة الوطنية أمام الولاءات السياسية والعسكرية والمناطقية، واتساع مساحة القرار الخارجي.
نحتاج إلى مراجعة وطنية شجاعة لكل مرحلة ، فلا يمكن بناء دولة جديدة بعقلية تجاهل أخطاء الدولة القديمة.
والسؤال الذي يجب أن يظل مفتوحاً أمام كل سياسي ومسؤول وقائد ومثقف سوداني هو:
هل نحن نمتلك قرارنا الوطني فعلاً، أم أن صراعاتنا الداخلية أصبحت الطريق الذي تمر عبره مشاريع الآخرين؟
فإن كان السودان يريد أن يبقى دولة واحدة، فعليه أن يستعيد قراره، ويعيد بناء مؤسساته، ويوحد بندقية الدولة، ويغلق أبواب الوصاية، ويحاسب على أساس القانون، ويضع مصلحة السودان فوق مصلحة الأشخاص والتنظيمات والمكونات.
وإلا فإن التاريخ قد لا يسألنا يوماً: من كان على حق؟
بل سيسألنا سؤالاً أكثر قسوة:
حين كان الوطن يسير نحو حافة الهاوية.. ماذا فعلتم لمنعه من السقوط؟ ثم ماذا بعد ؟!



