الحقيقة الغائبة عن فندق “أراك” الخرطوم: شهادة توثيقية تنهي عقوداً من الشائعات
فندق أراك نبض الماضي ورمز الفخامة" .

..فندق أراك الخرطوم ليس مجرد بناية شيدت في سبعينيات القرن الماضي، بل هو شاهد حي على حقبة ذهبية في تاريخ العاصمة السودانية، ورمز معماري واجتماعي حفر اسمه بحروف من نور في ذاكرة الخرطوم.
يتميز الفندق بموقعه الاستراتيجي الفريد في قلب الخرطوم، حيث يقع مقابل الجامع الكبير وتطل واجهة مدخله الرئيسي شرقا على برج البركة… كان الفندق ملتقى للنخب الثقافية والسياسية، ومقصدا لكبار رجال الأعمال والدبلوماسيين، إلى جانب محلاته الأرضية التي كانت تشكل مركزا تجاريا يضج بالحيوية والنشاط.
لكن على مدى العقود الماضية، نسجت الشائعات حول هذا الصرح روايات عديدة، وأعاد الكثيرون سبب إغلاقه إلى جريمة القتل الشهيرة التي وقعت فيه عام 1987م، واقترن اسم المكان في الذاكرة الشعبية بقصص الجن والأماكن المهجورة. وفي هذا المقال، أضع بين أيديكم الحقيقة الكاملة كشهادة يسألني عنها الله رب العالمين، بحكم أن والدي كان أحد مستأجري المحلات الأرضية بالفندق وشاهدا على كل تفاصيل تلك الفترة والتحولات التالية لها ونحن وأخوتي نتبع وذلك لمدة عشرون عاما.
▪︎أولا – تفنيد الشائعة: الجريمة لم تكن سبب الإغلاق
في عام 1987م، حدثت بالفعل الجريمة المعلومة التي راح ضحيتها أحد التجار( مقتل تاجر يريد إستبدال عملة من قبل بأئعي العملات بالسوق الأسود )، وهي واقعة صحيحة لا ننكرها. لكن الربط الشائع بين هذه الجريمة وإغلاق الفندق أمر غير صحيح على الإطلاق؛ فلو كان كل مكان شهد جريمة يغلق للأبد، لأضحت معظم كيانات العالم مهجورة!
والدليل القاطع على ذلك هو أن الفندق والمحلات التجارية المحيطة بطابقه الأرضي واصلوا العمل بشكل طبيعي كالمعتاد لأكثر من اثني عشر عاما بعد الحادثة، وتحديدا حتى مطلع عام 1999م، وهو ما ينفي تماما أي صلة بين الجريمة وقرار الإغلاق.
▪︎ ثانيا -السبب الحقيقي: التسوية المالية وتغيير النشاط.
ترجع القصة الحقيقية لإغلاق الفندق إلى ظروف قانونية ومالية بحتة، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
– أصل الملكية والتسوية: كان الفندق مملوكا لشركة التأمينات العامة السودانية كأكبر أصل من أصولها الثابتة. وتعرضت الشركة لأزمات مالية كبيرة، مما دفعها للاستدانة بمبالغ ضخمة من رجل الأعمال السيد حسن إبراهيم مالك (أحد مساهمي الشركة). وعند المطالبة بسداد الدين، تم الاتفاق على نقل ملكية الفندق إليه كتسوية مالية.
– قرار الإخلاء القانوني: بعد آيلولة الملكية للسيد حسن، ورغبة منه في تغيير نشاط العقار أو تعظيم إيراداته، طالب جميع مستأجري المحلات بالإخلاء الفوري بحجة تغيير النشاط. وكانت معظم عقود المحلات قديمة، فخرج الجميع وفق القانون في الفترة من نهاية عام 1999م حتى نهاية عام2002م.
– مطعم ماكسيم بيرقر: كان المحل الوحيد الذي استمر بعد هذا التاريخ هو مطعم “ماكسيم بيرجر”، نظرا لأن عقده كان مجددا، وظل يعمل بمفرده حتى انتهى عقده تقريبا في عام 2004م.
… في العموم كان الفندق بنهاية عام 2005 خالي من المستأجرين
– تعثر المشاريع الجديدة: حاول المالك الجديد تحويل المبنى إلى أنشطة أخرى مثل مستشفى أو مقر لشركة سيارات ضخمة، غير أن هذه المقترحات ظلت حبيسة أدراج المكتب ولم تنفذ لظروف وقدر مكتوب. ولأن المالك رجل أعمال يملك أصولا ضخمة، لم يكن عدم استغلال المبنى يشكل خطرا اقتصاديا مفاجئا على أعماله.
ومع مرور السنوات وإغلاق المبنى، نشأت الأقاويل حول ارتباطه بالجن أو الجريمة القديمة، بينما الواقع يؤكد أن أي مكان يظل مغلقا لسنوات طويلة يتحول طبيعيا إلى مكان مهجور تتداعى حوله القصص الخيالية.
▪︎ ثالثا- مجتمع “أراك”: ذاكرة معالم وأشخاص .
لم يكن الفندق مجرد مبنى، بل كان مجتمعا كاملا ينبض بالحياة، وتساهم محلاته الأرضية مساهمة فعالة في إيراداته. وأذكر من معالم هذا المجتمع وأصحابه الذين يشهدون على هذه الحقائق:
– الأستاذ صلاح كنة رحمه الله، مدير فندق أراك (وصاحب كافتيريا هوليوود بحري لاحقا).
– العم فوزي المسئول المالي والمتحصل الرئيسي للايجارات لشركة التأمينات العامة
– إدارة ومنسوبي مطعم ماكسيم بيرجر ومالكه العم محمد صباحي أبوعاقلة .
– محلات إسبيرات الإلكترونيات (شوقي وأبناؤه، جورج وأبناؤه، مهدي أبونائب، طلعت ومدحت، وإلياس دولتلي).
– السيد حسن والأخوان محمد وبكري (وكالة تساهيل).
– حمزة رملي والدي رحمه الله (مكتبة الرضاء التجارية).
– العم خضر وإبنه فيصل (أشهر محل ليمون بالخرطوم).
– شركة سينجر لماكينات الخياطة.
– محلات أبوجيمي لطباعة وتصوير المستندات.
– العم أحمد نصار (كافتيريا على الطائر).
– العم منصور (محلات منصفون لأشرطة الكاسيت) وشقيقه لصيانة الأجهزة.
– العم عمر عثمان مكتبة قرطاسية
– استديو بابا، واستديو أفراح ، وإستديو مواهب للتصوير الفوتوغرافي.
– محل أدوات صحية مملوك لآل قنجاري .
– الموظفين في كل المحلات التجارية الأرضية وفي داخل الفندق
– الباعة والخبراء على الفرندات (صيانة الساعات، النظارات، بيع الكتاكيت مع العم هاشم، ونشاط تبديل العملة).
وأخرون كثر …حفظ الله الأحياء منهم ومتعهم بالعافية ورحمة ومغفرة للأموات يارب.
▪︎ أخيرا :كان فندق أراك والمحلات المحيطة به عالما جميلا يضج بالحيوية والنشاط في قلب الخرطوم. وتلك هي القصة الحقيقية لإغلاقه دون زيادات أو أوهام، مجرد تحولات في الملكية وتغيير في العقود وتوقف للمشاريع، وقدر الله وما شاء فعل.
…ثم



